آخر الأخبار

«الأخلاق: الضّائع من المواد الخلقيّة» لـعلي الوردي

Share Button

عرض – بدريّة العامريّة
يُعدُّ كتاب (الأخلاق: الضّائع من المواد الخلقيّة) بحثًا في سيكولوجيّة المجتمعات العربيّة، وإن كان الوردي قد خصّ به المجتمع العراقي إلّا أنّه قد ينطبق على معظم المجتمعات العربيّة، فالوردي يرى أنّ الأخلاق من الأمور النسبيّة التي يختلف النّاس في تقديرها، فكل ثقافة بشريّة تتخذ لنفسها نظامًا في الأخلاق خاصًّا بها، على أساسه تنظر إلى أخلاق الآخرين بشيء من الريبة والاحتقار .
وقبل أن يُعرِّج إلى الضّائع من الأخلاق عمد الوردي إلى تحديد المقصود بالأخلاق في بحثه، فركّز على أخلاق البداوة والحضارة؛ إذ يرى أنّ تركيزه ذاك نابِعٌ من طبيعة المجتمع قيد الدراسة، فالمجتمع العربي قد اختص من بين كثير من المجتمعات الأخرى بكونه شديد الصِّلة بالبداوة من ناحية وكونه موطن أعرق الحضارات في التاريخ.

من الناحية الأخرى يؤكِّد الوردي في كتابه أنّ للصّحراء أثرٌا بالِغا في تكوين المجتمع العربي، وفي تناوله لشخصيّة المجتمع البدوي، عمد إلى المقارنة لإيضاح صفات المجتمع البدوي، فيرى أن الشخصية الحضرية تقوم على (الانتاج) بينما تقوم الشخصية البدوية على (الاستحواذ) وشتان بين أخلاق الانتاج وأخلاق الاستحواذ، ويسوق لتوضيح ذلك أمثلة عديدة، من بينها الأمثال الدارجة كقولهم: (الحق بالسيف والعاجز يريد شهود). وجاء كذلك قولهم (الحلال ما حل باليد).
كما يرى الوردي من خلال تتبعه واستقصائِه أنّ المجتمع البدوي يقيس الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ، فهم إذ يمدحون رجلا يقولون عنه إنّه (سبع) يأخذ حقه بذراعه ولا يقدر أحد عليه ومن أكبر العار على أحدهم أن يُقال عنه إنّه صانع أو حائك فذلك يعني في نظرهم أنّه ضعيف يحصل على قوته بعرق جبينه كالنساء ولا يحصل عليه بحد السيف ومن هنا أطلقوا على العمل اليدوي اسم (المهنة) والمهنة مشتقة من المهانة.
وفي تناوله لمقاييس الحضارة يطرق الوردي فكرة مهمّة يتبلور من خلالها مفهوم الأخلاق النّسبي، فالحضري لا يُمكن له أن يستسيغ قيم البدوي القائِمة على الاستحواذ والسّلب، كما أنّ البدوي ينظر بنفسِ عين الاحتقار إلى الحضري، فيرى فيه مثالا للرّجل الجبان الذليل الذي لا كرامة له ولا حق له في الحياة .
إنّ البدوي في تمجيده لـ: (غارة الضّحى) مثلا، وتبجيله لها، واعتقاده أنّها أقرب لمرضاة الله يشكِّل أخلاقه الخاصّة، فهو من تِلك الغارة بالذّات يعمد إلى التصدّق على أرواح الموتى، كما يغضب البدوي إذا قيل له (حرمك الله من غارةِ الضّحى).
يؤكِّد الوردي في هذه النّقطة أنّ الأخلاق ما هي إلا صورة من صور تكيُّف الإنسان على محيطه.
يتطرّق الوردي أيضًا إلى غلطة بعض المستشرقين في تناولهم لأخلاق البداوةِ، مستدّلا بالمستشرق أوليري في كتابه Arabia before Mohammed ، إذ يرى أوليري أن البدوي يحبُّ المال حبًّا جمّا ولا يقدِّر غير الدراهم والدينار أما المعنويات فلا قيمة لها في نظره، فيرى في البدوي نموذجا للنزعة المادية حيث يتملك الطمع مشاعره وليس لديه مجال للخيال والعواطف والدين.
ويخالف الوردي المستشرق أوليري في ذلك، ويرى في رأيه غلوًّا وإهمالا لجوانب عديدة في حياة البدوي متّصلة بأمرِ المال، فالبدوي لا يطلب المال من أجل المال؛ إذ أنّ المال عنده من علامات الرجولة والغلبة، فهو لا يبالي أن يسخو بالمال حالما يصل إلى يده، ومن هنا جاء وصف البدوي بأنه (نهّابٌ وهّاب) إنّه نهّابٌ عندما يكون النهب رمزا للقوة وهو وهّاب عندما يكون الوهب رمزا لها كذلك .
ولذلك تجده من أحرص الناس على الفلس الواحد حين يؤخذ الفلس منه اغتصابا وعنوة بينما هو من أسخى الناس حين يُستغاث به أو يؤتى إلى مضيفه أو يطلب منه العون وهو قد يبذل في سبيل ذلك حياته علاوة على المال.
ومن أخلاق البدوي الصراحة والصّدق، فالبدوي لا يحبُّ الرياء والمراوغة، وفيٌّ لكلمته، إلّا أنّ تلك الأخلاق تتبدّل ما أن يتحضّر البدوي، فخلال دراسة الوردي للمجتمع العراقي رأى أنّ البدوي حالما يتحضّر فإنّ الكثير من أخلاقه يتغيّر، فيفقد الصدق والأمانة والصراحة مثلا ولكنّه بقي متمسِّكا بالعصبيّة القبلية والثأر والاعتداد بالغلبة والفخار بالغزو والنهب.
كما تطرّق لبعض الأسباب التي ساعدت في تفكّك الأخلاق، فنظام الحكم في العهد العثماني كان له بالغ الأثر في تغيُّر أخلاق البدو، حيث لم يهدف النّظام إلا لجبي الضرائب والمغارم، فيما ترك القبائِل تتقاتل وتتناهب فيما بينها دونما تدخُّلٍ منه، فأصبحت العشائر تستقوي على بعضها بالاستحواذ والقوّة، فيما هي في موقف ذل واستجداء مع الحكومة العثمانيّة.. ومن هنا بدأت تتشكّل أخلاق “مزدوجة” للبدوي المتحضِّر.
كما تطرّق الوردي للإقطاع كمؤثِّر في تفكيك أخلاق المجتمع العراقي، من حيث أثره على الأفراد ودفعه لهم للمخاتلة والكذب والنِّفاق، وللمرابين الذين أثّروا كذلك على أخلاق المجتمع، إذ إنّهم أسهموا كما يرى الوردي في تفكيك الأخلاق، فالضغط الذي يرزح الفلاح العراقي تحت وطأته من قبل الدائنين والمرابين ومن الممكن أن يؤدي إلى خلق عقدة نفسية في الفلاح تجاه كل وعد يعد به أو دين يستدينه، وهو مجبور أن يتخلى عن خلق الوفاء الذي اشتهر به جده البدوي.
ويُجمل الوردي في ختام كتابه الأخلاق بعدما تقصّى في بحثه أخلاق البداوة والحضر، موضِّحا أفكاره بسوق الأمثلة، فيتحدّث الوردي عن فئة من المجتمع
تتمسّك بالعقيدة الدينية تمسكا شديدا، فيقدسون الأنبياء والأولياء تقديسا لا حد له وهم قد يعتدون على من يشك في صحة عقيدتهم أو يستهين بالأنبياء والأولياء، ولكنهم في الوقت ذاته لا يحترمون من يقتدي في أخلاقه بسيرة الأنبياء والأولياء ولو أنّ  رجلا منهم أراد أن يلتزم بتعاليم الأنبياء فيرد الأذى بالعفو والسيئة بالحسنة لعدوا ذلك منه ضعفًا وتميُّعًا ورمقوه بنظرات الاحتقار، كما أنّهم قد يذرفون الدمع ويتظاهرون بالخشوع والتقوى حينما يستمعون للمواعظ، وما أن يجتمع الواحد منهم إلى أقرانه حتى يأخذ بالحديث عن غزواته وفتكاته وكيف غلب فلانا أو خدع فلانا أو (كسر) عين فلان وهو يضحك عند ذلك بملء شدقية فخارا.

وكما يؤكِّد الوردي فهؤلاء لا يسألون عن الفائدة العملية التي يجنيها الرجل مما فعل المهم عندهم أن يكون الغالب على أية صورة فذلك في نظرهم من معالم الرجولة فيه وتتضح هذه النزعة فيهم في مسألة الانحراف الجنسي فالمعروف في بعض الأمم الراقية أنهم يستنكرون الانحراف الإيجابي أكثر مما يستنكرون الانحراف السلبي حيث يعدون الأول منهم سببا والثاني نتيجة أي أن الإيجابي مجرم والسلبي ضحية.
أمّا المجتمعات العربيّة فعلى عكس ذلك، فتراهم يحتقرون المنحرف السلبي كل الاحتقار بينما ينظرون إلى المنحرف الإيجابي بعين الاحترام، فهو غالب والويل كل الويل لمن كان في هذا المجال مغلوبا.
والنظرة المزدوجة ذاتها ينظرون بها لمسألة الزنا، فمن الفخار للرجل أن يكون زانيا بنساء غيره ومن العار عليه أن تكون إحدى نسائه مزنيا بها ويقع عبء ذلك على المرأة في معظم الأحيان.
يرى الوردي في الختام أنّ الأخلاق التي كانت قيد دراسته تحمل في ثناياها بعض قيم البداوة في احترام الغالب واحتقار المغلوب ولكنها قيم ممسوخة حيث خرجت من محيطها الأول وفقدت وظـيفتـها الاجتماعـية إنما بقــيت توجه الســلوك كالعقدة النفسية من غير أن يكون هدف لها يلائم محيطها الجديد، مؤكِّدًا أنّنا لا نستطيع إصلاح أخلاق الناس عن طريق المواعظ والنصائح على منوال ما كان يفعل القدماء لأن الأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية التي تحيط بها وما لم تتغير تلك الظروف فإننا لا نأمل أن تتغير تلك الأخلاق كما كنا نتمنى (غيِّر معيشة المرء تتغير أخلاق ).

يونيو 9, 2013

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats