آخر الأخبار
ابن جلجل.. مؤرخ الطب وعالم العقاقير

ابن جلجل.. مؤرخ الطب وعالم العقاقير

Share Button

عرف بدقته العلمية واقتباساته المدروسة –
عماد البليك –
ابن جلجل طبيب أندلسي واسمه أبو داود سليمان بن حسان، ولد سنة 332 هـ الموافق 943م وتوفي سنة 994م ورغم  أنه لم يعمر إلا أنه قدم علما جليلا لم يكن ليجود به لولا أنه كان مخلصا للعلم وراغبا في نيل المجد. وقد اشتهر بكتابه المسمى “طبقات الأطباء والحكماء”، وقد اختلف المؤرخون في أصل ابن جلجل لأن المصادر لم تشر كثيرا إلى ذلك ويرجح أنه من الفرنجة الذين أسلموا في الأندلس.
ورغم تعدد معارفه خاصة في اللغة والنحو والحديث في قرطبة التي عاش فيها، إلا أنه أحب الطب وانشغل به، وفي باكر حياته درس على يد كل من أبي بكر الدينوري ووهب بن مسرة وأحمد بن سعيد الصدفي وغيرهم، وأخذ علوم اللغة من محمد بن يحيى الرباحي حتى عام 358 هـ الموافق 943م، وصحب من علماء زمانه كلا من أبي بكر بن القوطية وسليمان بن محمد الفقيه، وغيرهما.
علاقته مع الطب بدأت في سن الرابعة عشرة من عمره، وما إن بلغ الرابعة والعشرين إلا وقد كان طبيبا مخضرما في زمانه يشار إليه بالبنان، وقد بلغت به الشهرة أن أصبح طبيب الخليفة هشام المؤيد بالله، وهو عاشر الحكام الأمويين في الأندلس وثالث الخلفاء في قرطبة.
وإذا كان مركز شهرة ابن جلجل قد انصب على التعريف بالأطباء والطب إلا أن شهرته أيضا اكتسبت من خلال أعماله الجليلة فيما يتعلق بعلاقة النباتات بالطب أو الأدوية وكان بارعا في ذلك الباب وعموم معرفته بالعناية الفائقة بالكتب التي نقلت عـن اللغـات الأخرى من فارسية وسريانية وهندية ويونانية في هذا العلم، فاستفاد منها استفادة كبيرة وشذب ما فيها من معارف ليقدمه عصارة سهلة التناول للآخرين وهذا يدل على قدرة في التكييف العلمي والتحليل والتلخيص وهي مهارة ليست عند الكل.
يشير المؤرخون إلى الاهتمام الكبير الذي أبداه ابن جلجل لكتاب “الحشائش” للطبيب اليوناني ديوسقوريدس، حيث إنه عمل على شرحه وتفسيره والتعليق عليه، وبخاصة على أسماء الأدوية وذلك في أكثر من مؤلف؛ منها “تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديوسقوريدس” الذي أتمه في ربيع الأول 372 هـ و”مقالة في ذكر الأدوية المفردة التي لم يذكرها ديوسقوريدس”، وهذا الشأن نجده عند كثير من علماء الأندلس والعرب عامة في توضيح بعض التصنيفات اليونانية وإبانتها للجمهور لكن الغالب أن جلهم يستمر بعد ذلك في تقديم خاصة منهجه وعلمه وهو ما قام به ابن جلجل كذلك كتب أيضا بعض التصانيف الأخرى مثل “رسالة التبيين فيما غلط فيه بعض المتطببين”، و”مقالة في أدوية الترياق”.
وفي شأن اهتمام ابن جلجل بعلم العقاقير فهو يرى فيه امتدادا للطب وعلوم النبات والحشائش، لهذا لابد من الإلمام به، وقد درس ابن جلجل الكثير من العلل والأدوية التي تعطى لها والتي كان مصدرها النبات أساسا، وقليل منها يتم تحضيره من المعادن أو من الحيوانات، وكأهل عصره فضّل استعمال الأدوية البسيطة أو المفردة لقلة خطورتها على البدن ولم يمل كثيرا للأدوية المركبة لخطرها. وامتدت خبرته بالعقاقير إلى دراسة استقصاء جذورها وتاريخها من خلال بحوثه في مختلف المعـلومات عـن الترياق وأصله وتركيبه وقد عـدد في مقالته “أدوية الترياق” العديد من العقاقير المستخدمة في زمانه ووصف أنواعها وأماكن وجودها.
وكما ذكرنا فإن أشهر ما كتب “طبقات الأطباء والحكماء” الذي أتمه عام 377 هـ، ويعد اليوم ثاني أقدم تاريخ للأطباء كتب بالعربية بعد الكتاب الذي كان قد كتبه إسحاق بن حنين المتوفي سنة 298 هـ وهنا يشير المؤرخ والراهب الدومينيكي ألبيرتوس ماغنوس إلى أن ابن حنين اعتمد في كتابه هذا على أعمال عالم يسمى باللاتينية Gilgil الذي يرجح أنه ابن جلجل نفسه. حيث نجد أن بعض العلماء كانت أسماؤهم تكتب باللاتينية بطريقة مختلفة بعض الشيء عن المنطوق بالعربية.
وقد تعرف العالم العربي على كتاب ابن جلجل سنة 1950م لأول مرة عندما طبع في القاهرة ومن ثم أعيدت طباعته في بيروت سنة 1985م ليتم التعرف على عالم فذ من أفذاذ الحضارة العربية كان مثابرا ومخلصا في تقديم عمل موسوعي رائع بذل له الوقت والجهد بكل محبة وإخلاص ما يعكس شيمة العلماء المكدين التي ميزت أهل ذلك الزمان من رواد العلم في الأندلس.
وقد قام منهج ابن جلجل في تقسيم العلماء إلى تسع طبقات بدأها بما يعرف بالهرامسة الثلاثة، وانتهى بطبقة أطباء الأندلس، وكان الرجل مخلصا للمصداقية العلمية إذ ذكر المراجع التي اشتغل عليها في كتابه هذا، ومنها  كتاب «الألوف» لأبي معشر الفلكي والعديد من الكتب الأخرى المعروفة لأهل الاختصاص.
وليست ميزة ابن جلجل في تصنيف الأطباء أو التعريف بهم بشكل عام فحسب، لكنه برع في مسألة تأريخ الطب منذ أقدم العصور ليكتب لنا مسارا متصلا يحكي لنا فيه ما قيل في تاريخ الطب والأطباء منذ بدايات مبكرة في التاريخ إلى عصره، وذلك جهد لم يكن مسبوقا يكشف عن الاهتمام الكبير بالإجادة والإبانة والرغبة في تقديم معرفة جديدة بحق وعدم الاكتفاء بالنقل فقط أو الشروحات، لأن تقديم معارف جديدة ليس بالأمر السهل وإنما هو عمل يتطلب جلدا واشتغالا، وإذا كان ابن جلجل يقدم الحديث والمثير فإنه لم ينس الاقتباسات ورد الأقوال والعلوم إلى أهلها مما أشرنا إليه سابقا من اهتمامه بالدقة العلمية والحق الأدبي.
وقد خلَّف ابن جلجل الكثير من الآثار الباقية والإنتاج العلمي الذي يتطلب المزيد من الإحاطة والدراسات إذ يشير المؤرخون إلى أن علم الرجل أحاط به الكثير من الغموض والإبهام ولم يجد النصيب الكافي من التفسير والتوضيح، وهذا ليس شأنه وحده فهو يشمل عددا من العلماء العرب والمسلمين الذين لم يجد بعض منهم الاهتمام والتعريف الوافي في حين ناله آخرون وخضع ذلك لمجموعة من الحظوظ كأن يعثر على مخطوطات أحدهم فتتم إضاؤته والتعريف به وهذا حدث في الغالب على يد المستشرقين، وربما هناك من العلماء ممن لا يزال مجهولا بل لم يرد اسمه مطلقا إلى اليوم والمتاحف الغربية تحمل بين طياتها ما لا حصر له من المخطوطات التي تنتظر من ينفض عنها الغبار ويقدمها للعالم بإضاءات جديدة وحديثة. أما ابن جلجل فيقال لولا أن ابن أصيبعـة ذكره في كتابه “عـيون الأنباء في طبقات الأطباء” لبقي مجهولا. إن منهج ابن جلجل يمكن تلخيصه ببساطة في الاجتهاد والإخلاص للمجال الذي يعمل فيه، فالحياة حتى لو أنها قصرت فهي كافية لأن يفعل الإنسان الكثير ويضيف ما شاء إذا كان مجدا في عمله ويتمتع بالموهبة التي يعمل على رعايتها والاهتمام بها، وليس سيرة الرجل إلا نموذجا تؤخذ منه الدروس والعبر.

يونيو 25, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats