آخر الأخبار
السهل الممتنع في المتوالية القصصية «كنت أرى البحر»

السهل الممتنع في المتوالية القصصية «كنت أرى البحر»

Share Button

تعد المتوالية القصصية للكاتب أشرف العوضي متوالية نادرة من نوعها حيث إنها تشمل ثلاث متواليات قصصية تحمل اسم الدفقات – وكأنها دفقة شعورية كتابية – تنزل على الكاتب فيبدأ ينهل من نهر معرفته وثقافته وفكرة داخل هذه المتوالية التي لا يعرف يفك طلامسها غيره؛ فهو القادر على ذلك دون غيره.
يسرد الكاتب متواليات قصصية عبارة عن قصص قصيرة نسيبا وقصص قصيرة جدا، وكأنها لا يريد ترك أية ثغرة إلا ويتعمق فيها. وقد عنون الدفقة الأولى (دحل الحمام).
الدفقة الأولى: وقد دلل عليها في المقدمة في الصفحات الأولى بعد عنونتها بالدفقة الأولى: «هذه الحمامات المختلفة الألوان والأحجام هي كل ما استطعت أن أمسك بها، حين حطت من مكان سحيق في ذاكرتي لترتوى. كما كانت تفعل قبل سنين بعيدة، ولكن وبكل تأكيد، فإن الحمامات التي لم أستطع الإمساك بها أكثر بكثير». يقصد الكاتب بها القصص المتضمنة للمتوالية ويشبهها بالحمام المختلف الأحجام من قصيرة وقصيرة جدا مثل القصص التي استعان بها في كتابه، ومختلفة المعنى والمضمون، ويؤكد في قوله أنه لم يستطع الإمساك إلا بهم ويقصد أنه عصر ذهنه للاسترجاع بالزمن وتذكر هذه السنوات التي تعود به في صباه وشبابه وماضيه. ويحصيها بالعدد الكثير، والتي سوف يمسك بها لاحقا في عمل آخر يستطيع التحلق جيدا ويأتي بكل حماماته دفقة واحدة.
بعد هذا التنويه يبدأ أولى قصصه القصيرة بقصة المرأة التي يدخل بيتها وتقدم له مشروبا يحبه كثيرا واكتشف بعد ذلك أنه الشاي بالقرنقل. بينما تأتي القصص التالية لهذه القصة تحكى ذكريات طفولية جميلة وخفيفة الظل من لعب وذكاء وتمرد؛ ويعد هذا ذكاء من الكاتب في استخدام الطريقة السردية السهلة الممتنعة.
وبعد ذلك تأتى قصة الخال وقصة الفتاة الجميلة وقصة ابن الجن والعفاريت، الذي ليس لديه مقبرة خاصة بعائلته مما أحزنه كثيرا، والشيخ الذي يداوى الأطفال وحكايات الأم عن الرجل صاحب الجوال المغطى بالرسوم السوداء، وقصة القط الذي أكل البطة كاملة ومن خلفه نساء وأطفال جوعى، وحكاية جده المقيم أمام منزله الذي يطل على النيل الجميل، وحكايات الحاوي الجميلة ودخول الكهرباء القرية، ومدى خطورتها عليهم، لقد تناول الكاتب حكايات حفرت في الذاكرة تعالج العوز والفقر الذي كان يعيش فيه الناس في هذه الفترة، وحكاية الغريب الذي مات في الغربة.لم تكن هذه القصص لإملاء مساحات فراغ تقتضيها مساحة ورق ولكبر حجم المتوالية القصصية، بل أثبت تناول هذه القضايا مضمونا وعمقا فكريا واسعا وكبيرا في التركيز على المشكلات التي كانت تسود البلاد وتناولها بذكاء بالغ منه، فمن يقرأ قراءة عادية لا يلاحظ ذلك، بينما من يقرأ قراءة ناقدة يلاحظ أنه تناولها بعمق وتركيز على كل صغيرة منها وكبيرة، ولم يترك حكاية صغيرة أو بمعنى أدق مشكلة صغيرة إلا وتناولها في هيئة قصة قصيرة مثيرة ومشوقة.
الدفقة الثانية بعنوان (دروب الرياحين): تأتى الدفقة الثانية معنونة بـ(دروب الرياحين) وهنا يأتي السؤال هل للرياحين دروب؟
نعم لقد جعل منها الكاتب دروبا نرتشف منها عبق الرياحين في هيئة كتابات تملى علينا ما قد يتوه عن عالمنا بطرق سردية تحول بين السهولة والصعوبة، بين الفهم والتغابي، بين التركيز والتشويق، وبين الإثارة والملل من القراءة.
بدأ الكاتب هذه الدفقة السردية والشعورية في آن واحد بوصف تفصيلي محكم البناء لسيدة كبيرة طاعنة في السن مع رائحة القهوة التي تميزها في قوله: «أمسكت بيدها البيضاء المهابة وابور السبرتو الصغير المصقول، الذي توسط عقدة القهوة المحوجة التي يعشقها من يدها العزيزة رجالات المركز كله حين يأتون لزيارة ولدها العمدة».
يسترسل الكاتب في حكايات الجدة الرائعة، وحكاية الرجل الذي ينتظر موته وماتت كل من نبأته وابنتها، وظل هو منتظرا القضاء والقدر الذي لا يعلم متى ولا أين؟ وقصة المرأة الطاهرة -حسنة السمعة- التي تعيش لوحدها وهى مليون راجل ورغم ذلك يخاف النساء من قربها من بيوتهن غيرة منها، وتناول قصص الإشاعات الكاذبة والمغرضة، وقصص الثكالى والجوعى، وحلم الانتخابات والوعود المضللة، ورحلة الرجل الذي اختفى ولم يعد، ورهانات شباب القرية المعتادة، لم يترك حتى قصة للمغسلة ومعددة الأموات.
وفق الكاتب في إنهاء الدفقة الثانية بقصة معبرة عن مضمون ما يحدث لنا الآن وكأن التاريخ يعيد نفسه مع اختلافات بسيطة، في قوله: «وحين أوقفه ضابط النقطة الذي كان معروفا بتعصبه للفريق المهزوم وأغضبه ما يرى من إهانة لم يجد في توصيف التهم للمعلم، ما يشفي غليله سوى قطع طريق المارة وتعطيل مركبات سير في حين أن قريتنا في ذلك الزمان لا يوجد بها إلا سيارة واحدة». وكأن الحال لم يتغير منذ الزمن الماضي، وما زال كما هو إلى الآن.
الدفقة الثالثة (كنت أرى البحر): تأتى الدفقة الثالثة والأخيرة معنونة بعنوان المتوالية الرئيسي وهو (كنت أرى البحر)، وتبدأ أولى قصص هذه الدفقة بقصة وصفية تفصلية في قوله: «المسافة من شقتي في قلب المدينة إلى مسقط رأسي خلف النهر حيث تعيش أمي، كان قبل سنوات حقولا شاسعة من القمح والذرة، الآن أصبحت كتلا خرسانية ونتوءات من الطوب الأحمر كبثور الوجه تخترق خضار البرسيم وهشاشة سيقان الفول.»
يعتمد الكاتب على الوصف التفصيلي الذي يبرز مدى اعتماده على الخلفية المكانية في سرد للأحداث، ويسرد في هذه الدفقة ذكريات جميلة مرت عليه منذ سنوات ماضية رغم أنها ما زالت عالقة بالذاكرة ومحفورة فيها، وتذكر حب العمر الماضي، وعاد إلى القرية عودة حميمية ؛ ولكنها بلا سابق إنذار فلم يجد ساكنيها ولكنه وجد الدار تنعى من كانوا بها في يوم من الأيام. رغم أنه لم يعنون غير الدفقات الثلاث إلا أنه أنهى الدفقة الأخيرة بعنوان قصير كلمة واحدة بحر، مما يجعلنا نلاحظ مدى حبه للبحر وتعلقه به من بداية العنوان إلى آخر كلمات بها كما في قوله: «وعدت إليه بعد غربة طويلة، وقد وشمنا الزمن بخاتمه الإجباري لأسأل نفسى هذا السؤال الكبير هل ما زلت أرى البحر؟».  ينتهى الكاتب من حيث بدأ حيث إنه بدأ بالبحر وأنتهي بالبحر، بل أنه يجسد البحر بإنسان يعود إليه بعد غربة طويلة.
المكان: يعتد الكاتب اعتمادا كبير على خلفية مكانية ثرية ومساحة واسعة ،حيث أنه يتناول أحداث المتوالية القصصية في القرية، ويرصد من خلال زوايا المكان كل ما عاشه وواكبه من أحداث سواء كانت حقيقية أومضافة إلى الحقيقة – خليط بين هذا وذاك- أو كانت من نسج الخيال. ففي الدفقة الأولى تحت العنوان الرئيسي يذكر الكاتب عنوانا فرعيا (الدوحة 2008م) وهى مكان في دولة قطر ويؤطر للأحداث بها، ولكنه يكتب عن ماضي، بينما في الدفقة الثانية ذكر أيضا أسفل العنوان الرئيسي عنوانا فرعيا بعنوان (كوانزو 2013م) وهى مدينة في الصين ، رغم اختلاف الأماكن التي ينتقل إليها إلا أنه حافظ على وحدة المكان وعاش أحداثه ذهنيا وترك العالم الخارجي، بينما يعنون في الدفقة الثالثة عنوانا فرعيا أيضا (المنصورة 2014م) وكأنه يقول للقارئ ها أنا وطأت أقدامي أرض الوطن الحبيب. بعد كل هذه المغامرات.
الزمن:-
لجأ الكاتب إلى الاسترجاع (الفلاش باك)، أو الحديث عن فترة زمنية ماضية ومنتهية؛ ولكنها ما زالت عالقة في ذهنه، وذات تأثير على حياته، وهذا ما جعلنا نبدأ بالزمن الماضي من بداية المتوالية في قوله: ما زلت أذكر تلك السيدة التي كانت «أذكر وكانت أفعال تدل على الماضي، بينما أنهى المتوالية بقوله: «وعدت إليه بعد غربة طويلة». وعدت – غربة طويلة التي تدل على مدى الفترة الزمنية التي ترك فيها الكاتب قريته الجميلة والدافئة إلى أن عاد إليها مرة أخرى.
من خلال دراسة هذه المتوالية القصصية نستنتج ما يلي: توفر الخيوط السردية للكاتب، مما جعله يسرد بكل سهولة ويسر. وتوفق الكاتب في اختيار حقبة زمنية ماضية، واختار ألا يحيد عنها وتمثلت في الزمن الماضي؛ مما جعله يجمع شتات الأمور، ويعلمنا بما لم نكن نعلمه من قبل، وتنوع الموضوعات التي تناولها في قصصه. التركيز على لوحة مكانية غاية في الوصف التفصيلي وهى القرية، والتي اختط منها أحداثه مما ساهم في ترابط الأحداث مع المكان بالإضافة إلى عامل الزمن. استطاع الكاتب أن يتلاعب بالزمن فبدأ بالماضي إلى أن انتهى بتداخل الزمن بين الماضي (الأساس) والمستقبل (الأمل). الصراحة والمباشرة التي اعتاد عليها الكاتب في كتابة قصصه، وإن كانت ترى حسب موقعها في القصة، فإن تطلبتها فهي حافظت على سياق السرد وفهم الغامض، وإن لم تتطلبها باتت أمرا غير مستحب من قبل الكاتب.

نوفمبر 6, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats