آخر الأخبار

صراعات الأزمنة ..

Share Button

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يسعى الإنسان، انطلاقا من فطرته، الى البحث الدائم عن أمن اجتماعي ونفسي، ويسلك في ذلك طرقا كثيرا، ويتخذ أساليب عديدة، وفي خضم هذه السعي المحموم، يتجاوز بحرصه على مصالحه الى النيل من مصالح الآخرين، فيقوض بذلك مشروعه العام الذي ينادي به في الوقت نفسه، وإن كان يحمد له سعيه نحو الارتقاء بحياته، فإنه، في المقابل، يحسب عليها مختلف تجاوزاته للوصول الى استحقاقاته في هذه الحياة.
تنجز البشرية في كل مرحلة زمنية كمًا نوعيًا من الإنجازات التي تحقق للبشرية الرفاهية المادية، بعضها، والمساعدة في الهلاك بعضها الآخر، حيث يأتي هذا المنجز على المستويين الأفقي والرأسي جراء اجتهاداتها المختلفة التي تعبر عن اشتغال مادي ومعنوي طوال سني حيواتها المتتالية، ولا تزال تعمل في ذات المشروع الإنساني المتعدد الأوجه، والمقاصد، ولا تزال السفينة مبحرة الى حيث لا غايات مطلقة، في سبيل هذا الإنجاز الجميل المعبر في الوقت نفسه الى تطلعات الإنسان البعيدة والتي لا تقف عند حد معين، بقدر ما تعكس رغبته البحث عن حياة أكثر رخاء له، وعن حياة معبرة عن استيعاب كبير لحقائق العلم الوجودي في هذه الحياة الدنيا التي قيض الله فيها لهذا الإنسان السعي والاجتهاد فيه وتوظيف ما هو متحصل من ذلك كله.
ومن يقرأ في التاريخ يجد حقيقة هذا التطور في بعديه، كما أسلفت، ولذلك تأتي النظرة الى السعي نحو تحقيق المعرفة هي أولى الخطوات نحو المساهمة في هذا الإنجاز، حيث يعوّل على المعرفة الكثير من المهام والمسؤوليات للارتقاء بالحياة البشرية الى الأفضل، وعلى الرغم من هذا التحقق الذي وفرته المعرفة عبر مراحل الزمن المختلفة إلا أن الإنسان ذاته لم يكن أمينا مع هذه المعرفة، فبقدر ما أنجز فيما يذهب الى راحة البشرية، انجز في المقابل ما يؤدي الى هلاكه، وهلاك من حوله، في حالة من النقائض المحسوبة عليه، وعلى الفكر الذي يصل إليه في كل مرحلة زمنية يقطعها، ولعل هنا المسألة تخضع الى مستوى الصدام الواقع بين الإنسان وبين ذاته «نفسه»، فالنفس أمارة بالسوء، كما جاء وصفها في القرآن الكريم، ولعل المشقة تكمن هنا في هذه النقيصة التي لم يصل الإنسان الى تصالح معها طوال حياته، وبذلك تستمرئ البشرية مواصلة خطئها في كل عصر تقطعه من عمرها المديد.
تتهم المعرفة اليوم على أنها العامل الأكثر تأثيرا الذي يساعد الإنسان على اجترار الشر، من خلال مادته المدمرة للبشرية، فبعد أن كان الطموح في التعليم على أنه المنقذ من ترديات الحياة، والأخذ بالإنسان الى مصاف الكائنات الراقية في سلوكها، وفي أخلاقها، وفي وعيها الأكبر في الحياة، وإلى الخروج من مأزق الفقر والحاجة، اصبح هذا العلم ذاته هو الذي يبصر الإنسان نحو ارتكاب المغالطات المختلفة بصورة اكثر حيوية، وأكثر ذكاء، وأكثر تسلطا وشمولية، وبعد أن كانت مختلف المجابهات التي تتم بين البشر والبشر كانت وجها لوجه وبمسافات قصيرة، أصبحت المسألة لا تحتاج هذه المواجهة المادية المباشرة، حيث استطاع العلم أن يوجد ألف طريقة وطريقة، بل اصبح الحزم سريعا، وقاطعا، ومخيفا وعلى مسافات أكبر من أن تستوعبها العقول، حيث يكون الضرب في عمق المدن بمسافات تصل الى آلاف الكيلومترات، وتأتي ثورة الاتصالات اليوم لتساهم بشكل أكثر ذكاء وأريحية في الجانب المهلك أيضا، وبعد أن كانت الضحايا فردية، أصبحت الضحايا بالمجموعات، وربما تصل في بعض المواقف الى تدمير مدن بأكملها كانت في يوم الأيام تضج بساكنيها، فهذا التطور النوعي في مختلف هذه المصادمات محسوبة على المنجز العلمي الذي طوعه الإنسان لخدمة مصالحه التي تأتي على أنقاض كيانات الآخر الذي يشترك معه في الإنسانية، والعيش تحت سماء واحدة.
تشكل المنافسة بين بني البشر أول محور في مفهوم هذا الصدام، وهي منافسة متجذرة بين الإنسان وأخيه الإنسان، بغض النظر إن كان هذا الإنسان قريبا في النسب والجغرافيا، أو بعيدا عن ذلك، ولم تفلح مشروعات الوعي المختلفة الى حماية هذا الإنسان من «تفريط» السلوك والذهاب الى مظان الهلاك بالطرف الآخر، والتساؤل المطروح: ما هو المحدد الأسمى في تقنين سلوك الإنسان، وتهذيبه، وعدم تطاوله الى الطرف الآخر: هل هو الخلق الفطري المولود أساسا مع الإنسان وتجذره في نفسيته، أو عوامل المعرفة المختلفة التي تبصر الإنسان على الحقائق، وتوجد له الحلول الكثيرة لمشكلاته، والحلول الكثيرة أيضا لتلبية نزعاته، ورغباته؟ لأنه على مدار التاريخ، والكل يقرأ ويسمع، أن الانتهاكات البشرية تجاه البشرية ذاتها لم تتوقف، بل بالعكس تتطور بتطور المادة المستخدمة في كل عصر، فبعد أن كانت الحروب تقليدية، مواجهة بالحراب والأدوات التقليدية المعروفة، أصبحت اليوم نوعية وبكفاءة عالية، وهي ليست مشروطة بمواجهة مباشرة وجها لوجه، وفي كلا الطرفين قديما وحديثا هو الإنسان، والخاسر هو الإنسان، ولست أتفق على أن هناك رابحا، فالخسارة الإنسانية يتحملها كلا الطرفين، لأنه تأتي على كائن نادر الوجود، فمن ذهب لا يمكن تعويضه، حتى وإن تناسلت البشرية في تعدادها، فكل يحمل خصائصه، وصفاته.
تسعى الهويات اليوم أكثر من أي وقت مضى – ربما بما تملكه من أدوات حديثة – الى الدخول في معترك هذا الصراع، وهذه أكثرها إيلاما، ذلك أن الهويات تنتصر لذاتها فقط، وترى في أحقيتها للحياة أكثر من غيرها، وعلى أنها الصح، وأن الحياة لن تستقيم إلا بوجود منهجها في الحياة، ومع تعددها يقينا سوف تتوسع رقعة الصدامات، والتحارب، وسيظل أفراد كل هوية تبحث عن وسائل فتاكة للفتك بالآخر في أسرع وقت، وأقل تكلفة، حيث تأتي هويات الأديان، وهويات المذاهب، وهويات الأقليات، وهويات الأثنيات، وهويات القبيلة، والطائفة، وربما تنضم إليها اليوم هويات جديدة، ممثلة في عالم الشذوذ المعلن بقوانين أصبحت تقرها بعض الدول، وبهويات المجموعات المتصادمة مع كل ما هو ديني وخلقي، وهويات المصالح الكبرى والمتمثلة في شركات متعددة الجنسيات، وهويات التكتلات الاقتصادية، وهويات الجماعات التي تتخذ لها عناوين مختلفة مثل جماعات الرفق بالحيوان، وجماعات مناصرة البيئة، وجماعات ضد الحروب، وربما غيرها الكثير، وهذه في مجموعها تتمحور حول ذات تخصصها، وتشكل كتلة جاهزة للصدام مع أي طرف لا يتفق مع برامجها التي تضعها كدليل سير نحو الوصول الى غاياتها التي تسعى الى تحقيقها، وقد يأتي في منتصف الطريق طرف ثالث، ربما، ليوجه مسار هذه المجموعة أو تلك، ويسخرها لأجنداتها السياسية، أو الاقتصادية، بغية تشكيل ضغط محوري تجاه المجتمع الدولي، وهكذا تتواصل صراعات الأزمان ممثلة في مجموع الأفراد الذين يعيشون فيها، ولكن بأدواتهم المختلفة والنابعة من الفترة الزمنية ذاتها.
يقول الدكتور يوسف الحسن، باحث ودبلوماسي إماراتي في كتاب صدر له حديثا – أسئلة الهوية والتسامح وثقافة الحوار – ما نصه: «إن الوحدة الوطنية وأمن المجتمع وسلمه الأهلي هي مسؤولية الجميع، بخاصة الدولة والمرجعيات الدينية والنخب الثقافية والإعلامية والتربوية والمجتمع المدني، إنها مسؤولية مشتركة» – انتهى قوله – والمشكلة في هذه المرجعيات والنخب المختلفة أصبحت تشكل هويات تدافع عن كينونتها في أي بيئة، بغض النظر إن كانت بيئة آمنة مستقرة، أو بيئة مضطربة، وأصبحت «الوحدة الوطنية» هي مسؤولية القيادة السياسية فقط، وهذا ما يؤسف له حقا، لأن الانتصار في هذه الهويات الكثيرة والمتعددة لم يعد لصالح المجموع، وإنما بما يخدم مجموعتها الصغيرة فقط ويحقق لها مكاسب مادية سريعة، وبالتالي عندما تتنازع هذه كلها على ذواتياتها الصغيرة فقط، فإنها بذلك تسقط، بما لا يدع مجالا للشك هيبة «الوحدة الوطنية»، وتزعزع تماسكها على المدى البعيد، وهذا ما نراه أمامنا ماثلا وبلا قناع في بعض الدول.
يسعى الإنسان، انطلاقا من فطرته، الى البحث الدائم عن أمن اجتماعي ونفسي، ويسلك في ذلك طرقا كثيرا، ويتخذ أساليب عديدة، وفي خضم هذه السعي المحموم، يتجاوز بحرصه على مصالحه الى النيل من مصالح الآخرين، فيقوض بذلك مشروعه العام الذي ينادي به في الوقت نفسه، وإن كان يحمد له سعيه نحو الارتقاء بحياته، فإنه، في المقابل، يحسب عليها مختلف تجاوزاته للوصول الى استحقاقاته في هذه الحياة، وهذه التضادية المستمرة هي التي تعطي الأزمان والعصور صورا متقلبة، وعناوين عريضة تحملها الأزمان فتوسم بها، ويشار إليها من خلالها، ويبقى الإنسان هو الفاعل الرئيسي في مختلف تقلبات الأزمان وحالاتها الوجودية، وها نحن اليوم نودع عاما ميلاديا آخر، عايشنا فيه كافة المزالق التي يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق الآخرين، وبعد يومين سوف يدخل المعترك عام آخر جديد، ليسجل نفسه في قائمة التناقضات التي تعيشها البشرية عبر الأزمان، ولن يأتي بجديد، إلا بقدر مساهمة الإنسان وحرصه على أن يعطي هذه الحياة شيئا آخر معززا لوجوده.

ديسمبر 27, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats