آخر الأخبار

صحوة الدب الروسي

Share Button

أ.د. حسني نصر –
hosnin@gmail.com –

من الأشياء الجميلة والممتعة في الصحافة الإلكترونية، بالنسبة لي على الأقل، استعراض ومطالعة تعليقات القراء على التقارير والأخبار والمقالات المنشورة، خاصة في الصحف العالمية التي تلعب دورا مهما في بناء أجندة الاهتمام العالمي، وتؤثر في تشكيل الرأي العام العالمي تجاه الأحداث والقضايا والدول وربما الأشخاص أيضا. في هذه التعليقات التي تنشر في الغالب دون مراجعة مسبقة من المحررين، تتعرض الصحف وكتابها لانتقادات شديدة تصل إلى حد السباب أحيانا كما في الصحف العربية، وإلى حد دحض الفكرة المحورية واتهام الصحف والكتاب بالانحياز وعدم الموضوعية. وتؤدي هذه التعليقات وظائف مهمة بالنسبة للقراء الآخرين مثل تشجيعهم على المشاركة بالتعليق سواء على المقال الأصلي أو على تعليق أقرانهم من القراء.
وبالإجمال تعمل هذه التعليقات كمعادل موضوعي لموقف واتجاه الصحيفة، وهو ما يسهم في النهاية في زيادة فهم وإدراك القراء للمضمون، ومعالجة المعلومات التي يحصلون عليها بطريقة جيدة، ثم المساهمة في تشكيل آراء واتجاهات واتخاذ مواقف تستند إلى سوق حرة حقيقية للأفكار.
ولتأكيد هذه الفكرة، وفي إطار دعوة صحفنا ومواقعنا الإلكترونية إلى الاهتمام بتعليقات القراء، أشير هنا إلى نموذج من هذه التقارير المهمة نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية الخميس الفائت في نسختها الدولية، وحمل عنوانا لافتا هو: «روسيا تعيد تسليح نفسها لعهد جديد»، كتبه ثلاثة صحفيين هم كاترين اينهورن، وحنا فيرفيلد، وتيم والاس. وقد استند التقرير إلى عدد من الشواهد التي تؤكد أن روسيا تقوم بدعم جيشها، وتعيد تموضعها على المسرح العالمي، وهو ما يشعل التوتر مع الغرب.
ويأتي على رأس ما تقوم به روسيا لاستعادة تأثيرها العالمي، بناء وتوسيع قواعدها في القطب الشمالي، وذلك تحسبا للتغير المناخي، وبالتالي ضرورة أن تسيطر وتدافع عن طرق التجارة البحرية ومصادر النفط والغاز في المناطق التي سيكون من السهل الوصول لها بعد ذوبان الجليد. ثم يلي ذلك زيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير. وبلغت هذه الزيادة العام الحالي نحو 11 بليون دولار عن العام الماضي، رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب أزمة أوكرانيا وانخفاض أسعار النفط العالمية. والدليل الثالث على صحوة الدب الروسي هو قيام الجيش الروسي بتجنيد أكثر من مائة ألف جندي جديد، والقيام بمناورات عسكرية واسعة النطاق وغير معلنة، شاركت فيها قوات كبيرة، وكان الهدف منها إظهار القدرات الكبيرة للجيش الأحمر أمام العالم. وقد تزامن ذلك مع الدخول في مواجهات في المجال الجوي لدول أخرى، وآخرها تركيا التي أسقطت طائرة روسية مقاتلة في نوفمبر الماضي، قالت إنها انتهكت أجواءها.
ويقول مراقبون: إن هذه الانتهاكات تستهدف استفزاز الولايات المتحدة ودول حلف الناتو ودفعها للرد وهو ما يضعهم في موقف المهدد لروسيا لزيادة شعبية الرئيس بوتين. أما أخطر ما تقوم به روسيا – وفق الصحيفة – لاستعادة نفوذها العسكري وتخويف أعدائها فيتمثل في التدخل العسكري في النزاعات الخارجية. والمثال الأوضح على ذلك تدخلها في سوريا في سبتمبر الماضي لدعم نظام بشار الأسد. أما آخر الأدلة التي تبرزها نيويورك تايمز لعودة الروس فكان تحديثها المستمر لأنظمتها العسكرية، والمستهدف أن يصل، نسبة التحديث إلى 70% بحلول عام 2020.
هذا باختصار أهم ما ورد في التقرير، فماذا كان رد فعل القراء؟ الواقع أن قراء الصحيفة الذين علقوا على الموضوع كانوا أكثر موضوعية من كتابها. ومن نحو 380 تعليقا أكد كثيرون على لا موضوعية التقرير، واعتباره يندرج ضمن الدعاية التي تستهدف أعداء الولايات المتحدة. ولكي يكون موضوعيا كان من كتبوه أن يضمنوه ما قامت به الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة خاصة في أوكرانيا. فإذا كانت روسيا قد زادت من إنفاقها العسكري، فإن الولايات المتحدة تحتل المركز الأول عالميا في هذا المجال بنحو 610 بلايين دولار وبفارق كبير جدا عن الدولة التي تليها وهي الصين التي يبلغ إنفاقها العسكري السنوي نحو 216 بليونا، فيما تأتي روسيا في المركز الثالث بنحو 85 بليونا. ولعل هذا ما دفع البعض إلى مقارنة إنفاق البلدين العسكري، والخروج باستنتاج يقول إن أمريكا تنفق بسخاء على الجيش في حين تقتر في الإنفاق على الطرق السريعة والجسور والتعليم والصحة. في المقابل فإن روسيا ليس لديها نوايا معلنة لمهاجمة الأراضي الأمريكية، ولا تمتلك قوات وأسلحة على الحدود الأمريكية، ولا تنفق سوى 8 بالمائة مما تنفقه أمريكا على جيشها. أما عن التدخل العسكري في دول أخرى، فقد جمع القراء التدخلات العسكرية الأمريكية في دول العالم المختلفة، والتي شملت الصين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكوريا والصين وجواتيمالا وإندونيسيا وكوبا في الخمسينات، وجواتيمالا والكونغو والبيرو ولاوس وفيتنام وكمبوديا في الستينات، وجرينادا ولبنان وليبيا والسلفادور ونيكاراجوا وبنما في الثمانينات، والعراق والسودان وأفغانستان ويوغسلافيا في التسعينات، ثم العراق وليبيا وسوريا في الألفية الجديدة. وبالمقارنة بذلك فإن من حق روسيا أو أي دولة في العالم أن تحمي مصالحها الخاصة، وهو ما لا يتحقق في هذا العالم إلا من خلال امتلاك جيش قوي وعصري.
هكذا يضفي القراء المزيد من الحيوية على التحليلات الصحفية، وهذا ما نتمنى رؤيته في صحافتنا الوطنية دون أن نسيء إلى أحد خالفنا في الرأي. وإجمالا فإن القول الفصل – من وجهة نظري – في صحوة الدب الروسي التي يروج لها الإعلام الغربي، يتطلب مقارنة رؤية الولايات المتحدة ورؤية روسيا للعالم. فالأولى ما زالت تنظر إلى نفسها باعتبارها القوة الكبرى الوحيدة في العالم، أما روسيا فإنها، في ضوء أقوال وأفعال الرئيس بوتين، تنظر إلى العالم بمنظار القرن التاسع عشر، وترى أن العالم لا يجب أن يخضع لقوة كبرى وحيدة، وإنما يجب أن يُقسم إلى أجزاء يسيطر على كل جزء منها قوة كبرى. ووفقا لذلك، فإن بإمكان روسيا أن تبسط سيطرتها على مناطق نفوذها التاريخية مثل القوقاز والشرق الأدنى وشرق أوروبا والقطب الشمالي ولكن ليس لها أن تتدخل في أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي السابق. وعلى هذا الأساس فإن الصراعات الدولية تنشأ غالبا لأن الأمريكيين يرون أنفسهم في موقع الزعامة المطلقة للعالم، ولا يحترمون مناطق نفوذ الآخرين.

ديسمبر 27, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats