آخر الأخبار

العراق على أعتاب مرحلة جديدة

Share Button

أ.د. داخل حسن جريو /عضو المجمع العلمي العراقي –

إن توغل الجيش التركي داخل الأراضي العراقية لمسافة أكثر من (110) كيلومترات دون طلب من الحكومة العراقية أو حتى دون علمها، وإصرار الحكومة التركية على عدم سحبها،اضطر الحكومة العراقية لرفع شكوى لمجلس الأمن لسحب هذه القوات.
شهد مطلع القرن العشرين ولادة دولة العراق الحديث التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا بصورة أو بأخرى برغم الأعاصير السياسية التي تعصف بها منذ غزوه واحتلاله عام 2003.
لم تكن تلك الولادة ولادة طبيعية ويسيرة كما قد يتصور البعض إذ أنها جاءت عبر ولادة قيصيرية بدمج ولاية بغداد وأجزاء من ولايتي البصرة والموصل المشكلة جميعها من قبل سلطة الدولة العثمانية التي كان يخضع لها العراق حينذاك.
تشكلت دولة العراق بشكلها الحالي وفق ما اقتضته مصالح بريطانيا، الدولة الأعظم في العالم حينذاك، التي كانت تحتل العراق وأماكن عربية كثيرة أخرى، وذلك في إطار ما يعرف بمشروع سايكس بيكو الذي جزأت بموجبه منطقة المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، وضع البعض منها تحت الانتداب الفرنسي والبعض الآخر ومنها العراق تحت الانتداب البريطاني تسهيلا لإدارتها من منطلق سياسة فرق تسد.
وما أشبه اليوم بالبارحة إذ تعود ثانية إلى الواجهة سياسة تمزيق دول المنطقة وإعادة رسم خرائطها على وفق مصالح الدول الأجنبية، دون مراعاة لمصالح الدول المراد تمزيقها، وفي مقدمتها العراق الذي بات اليوم مسرحا لأحداث دامية وصراعات دولية وإقليمية وتصفيات حسابات لا ناقة له فيها ولا جمل، حيث تتناقل وسائل الإعلام عن مشروعات تقسيمية لدول المنطقة يجري طبخها في السر والعلن على نار هادئة، حيث يجري العمل على تهيئة الظروف والبيئة المناسبة للإعلان عنها في وقت لاحق، بعد أن تكون الطبخة قد استكملت مقوماتها التي أبرزها تأجيج الفتنة بين أبناء الشعب الواحد إلى حد الاحتراب، وتصعيد حدة الصراعات التي لا معنى لها بين فئات المجتمع المختلفة، وهدم جسور الثقة فيما بينها والعمل على إقناعها بصعوبة العيش المشترك، وكأنها لم تكن قد عاشت في ود ووئام وأمن وسلام عبر مئات السنين، وتهويل الاختلافات فيما بينها التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات وبخاصة المجتمعات ذات الأديان والطوائف والأثنيات التي يجمعها وطن واحد وحضارة وعيش مشترك، تارة بمعزوفة المظلومية، وتارة بمعزوفة الإقصاء والتهميش، وأخرى بحق تقرير المصير، وإقناعها جميعا بأن لا حل أمامها إلاّ الانفصال عن بعضها في كانتونات هزيلة، وصفوها بالملاذات الآمنة التي ستحظى بحمايتهم ورعايتهم، ليعيشوا جميعا في أمن وأمان.
وليس بعيدا عن الأذهان وعودهم قبل غزو العراق واحتلاله عام 2003، بأنه بالقضاء على النظام الحاكم في العراق، سيعيش شعب العراق في رفاهية وسعادة، وسيعيش العالم بأسره في أمن وأمان، وها هي الأحداث والوقائع تؤكد زيف ادعاءاتهم تماما، حيث شهد العالم كوارث حصدت أرواح آلاف الناس ودمرت بلدانهم وهجرت الملايين منهم بعد أن كانوا يعيشون في بلدانهم في أمن وسلام.
يكفي أن نشير هنا إلى تصريح السيناتور الأمريكي عن ولاية تكساس الأمريكية، أحد أبرز مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية، مؤخرا الذي جاء فيه أن الغزو الأمريكي للعراق قد تسبب بكوراث إنسانية جمة ليس للعراق ومنطقة الشرق الأوسط فحسب، بل والعالم أجمع حيث ازدادت الهجمات الانتحارية بنسبة (4500%) للأعوام (2002-2014).
بلغ عدد الهجمات الانتحارية في العراق (1892) هجوما، بينما لم يشهد العراق أي هجوم انتحاري قبل عام 2003، وبلغ عددها في باكستان (486) هجوما مقابل هجوما واحدا قبل تاريخ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وفي الصومال (88) هجوما، وفي اليمن (85) هجوما، وفي نيجيريا (91) هجوما، وفي سوريا (165) هجوما.
وفي ليبيا (29) هجوما، وفي أماكن أخرى كثيرة في بريطانيا وإسبانيا وتونس والمغرب والأردن ولبنان والولايات الأمريكية المتحدة نفسها وغيرها، يكاد لا يمر يوما إلاّ ونسمع هجوما إرهابيا هنا أو هناك في هذا البلد أو ذاك.
بلغت خسائر الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن نحو (7) آلاف قتيل، فضلا عن عشرات الآلاف من المفقودين، وبلغ معدل انتحار الجنود (22) جنديا يوميا. قدرت تكاليف الحرب الأمريكية في العراق وأفغانستان حتى الآن بنحو (6) تريليونات دولار أمريكي، دون أن تلوح في الأفق إمكانية دحر الإرهاب في القريب العاجل، إذ تشير جميع المعطيات الى تصاعد العمليات الإرهابية وانتشار ظاهرة الإرهاب في الكثير من دول العالم برغم الضجيج الإعلامي المدوي بالقضاء عليه واستئصاله من جذوره عبر تحالفات دولية وإقليمية قيل إنها تشكلت للتصدي للإرهاب الدولي بكل صوره وأشكاله وتجفيف منابع فكره وتمويله. أما خسائر العراق فحدث عنها ولا حرج.
وخلاصة القول إن الحروب الأمريكية لم ينجم عنها سوى المزيد من الويلات والمصائب والدمار وإزهاق آلاف الأرواح البريئة وتشريد ملايين الناس طلبا للأمن والآمان الذي فقدوه في بلدانهم المنكوبة التي باتت مسرحا للحروب والأعمال الإرهابية بفضل السياسات الأمريكية الطائشة، وما مآسي الشعب العراقي والشعب السوري والليبي واليمني والصومالي إلاّ شاهد حي يستصرخ الضمير الإنساني من المحن التي وضعوها فيها دون ذنب اقترفوه.
ولم تكف الإدارات الأمريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وحتى يومنا هذا من سياساتها الخاطئة التي لم يجن منها الشعب العراقي سوى المزيد من الهلاك والدمار، بل إنها تمعن بالمزيد منها بهدف تفتيت دول المنطقة وفي مقدمتها العراق إلى دويلات وكانتونات هزيلة متناحرة تكون بؤر توتر دائم، وما مشروع نائب الرئيس الأمريكي القاضي بأقلمة العراق، أي تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم على أساس عرقي وطائفي إلاّ أنموذج لهذه السياسات الطائشة التي تمهد لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات فيما بعد.
يعتقد كثيرون أن القضية الفلسطينية شكلت مدخلا أساسيا لظاهرة الإرهاب الدولي الذي يشهده العالم حاليا نتيجة الظلم والحيف وعدم الإنصاف الذي لحق بالفلسطينيين، وعدم الاهتمام الكافي بقضيتهم لإنصافهم، لا بل إنهم قد استمروا بدعم ومساندة الطرف الإسرائيلي المغتصب لوطنهم، ولم تعامل فلسطين كبلد محتل ومغتصبة أراضيه من قبل إسرائيل، ويعاني شعبها من حرمانه من أبسط حقوقه التي في مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته الحرة والمستقلة على أراضيه شأنه بذلك شأن الشعوب الأخرى بعد أن اصبح استعمار الشعوب حدثا من أحداث الماضي.
وليس مصادفة تطابق مشروع بايدن مع مخططات وخرائط إسرائيلية لتفتيت المنطقة إلى كانتونات طائفية وأثنية، كما كشفتها بعض وسائل الإعلام في مطلع عقد الثمانينات من القرن المنصرم إبان الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثماني سنين.
وما السماح لتنظيم داعش الإرهابي باحتلال مدينة الموصل وما يجاورها عام 2014 وتقاعس الولايات المتحدة الأمريكية التي ترتبط باتفاقية أمنية مع العراق بحمايتها، وعجز قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة من تحرير هذه المناطق على الرغم من غاراتها الجوية المستمرة على مواقع تنظيم داعش وطرق إمدادات مقاتليه منذ أكثر من عام، بخلاف ما عليه الحال في مناطق إقليم كردستان حيث أمنت الولايات المتحدة جميع هذه المناطق والكثير من المناطق الأخرى المختلطة التي تعرف بالمناطق المتنازع عليها التي ضمتها حكومة الإقليم إلى الإقليم خلافا للدستور، من هجمات مقاتلي داعش، إلاّ مؤشرات بكونها مقدمات لإيجاد الظروف الموضوعية لأقلمة العراق وفقا لمنظور مشروع بايدن.
إن توغل الجيش التركي داخل الأراضي العراقية لمسافة أكثر من (110) كيلومترات دون طلب من الحكومة العراقية أو حتى دون علمها، وإصرار الحكومة التركية على عدم سحبها،اضطر الحكومة العراقية لرفع شكوى لمجلس الأمن لسحب هذه القوات، مؤشر آخر في سياق مشروع بايدن، لا سيما أن هناك أطرافا عراقية داخلية قيل إنها على علم بالتحركات التركية بهدف تهيئة البيئة المناسبة للإعلان لإقليم طائفي آخر ربما بحماية إقليمية كتلك الحماية الدولية التي يتمتع بها إقليم كردستان حاليا، لدفع الطرف الثالث لإقامة إقليمه بالصيغة نفسها.

وبذلك تتشكل الأقاليم الثلاثة بصورة عملية وتصبح أمرا واقعا يتحتم قبولها، بصرف النظر ما قد يترتب على ذلك.
ولا شك أن مشروع بايدن في حالة تنفيذه سيفضي حتما إلى نتائج كارثية أكبر وأعظم من كل الكوارث والمصائب التي شهدها العراق والبلاد العربية حتى الآن، لما يحمل في طياته من قنابل موقوتة شديدة الانفجار لا تبقي ولا تذر، ذلك أن القوى الداخلية المتصارعة، لها أذرع وامتدادات إقليمية ودولية متشابكة ذات مصالح متناقضة.
لذا يحدونا الأمل أن يتدارك عقلاء الأمة وحكماؤها هذه المخاطر قبل أن تندلع شرارة فتنة الأقاليم بشكلها المقترح لتحرق العراق والمنطقة أكثر مما عليه الحال الآن، ونأمل أن يسعى الجميع لتقريب وجهات نظر الفرقاء المتخاصمين الآن للوصول إلى حلول وسطية يمكن أن ترضي الجميع بعيدا عن صيغ الغالب والمغلوب، لحقن الدماء وصيانة كرامة الوطن والمواطنين بمختلف انتماءاتهم العرقية والدينية والطائفية، ليعود العراق وطنا مصانا عزيزا بشعبه.
وأخيرا نقول يتوهم كثيرا من يعتقد من دول المنطقة، أنه سيكون في مأمن من معاول التفتيت والتقسيم إذا ما طالت هذه المعاول العراق واصبح التقسيم أمرا واقعا، وما تداعيات غزو العراق واحتلاله عام 2003 بمساعدة بعض دول المنطقة إلاّ شاهد حي على ما حلّ بالكثير من دول المنطقة من خراب ودمار، في إطار تنفيذ مشروعهم الخبيث الذي أطلقوا عليه مشروع الشرق الأوسط الجديد عبر ما أسموه بالفوضى الخلاقة والتبشير بربيع عربي جديد زائف كانت نتائجه الأولى تدمير بعض الدول العربية المحورية، سعيا منها لتفتيتها وتقسيمها طائفيا ودينيا واثنيا ومناطقيا.

ديسمبر 27, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats