آخر الأخبار
حول عالمية اللغة العربية – هل لدينا خطوات حقيقية للتفعيل الحضاري للغتنا ؟ «1/‏2»

حول عالمية اللغة العربية – هل لدينا خطوات حقيقية للتفعيل الحضاري للغتنا ؟ «1/‏2»

Share Button

د. أحمد درويش –

أعلنت الأمم المتحدة في 18/‏‏ ديسمبر سنة 1973، اعترافها باللغة العربية واحدة من لغاتها الرسمية الست، التي يتم التعامل بها في أروقتها ومستنداتها ووثائقها، وفي الهيئات الدولية التابعة لها. ويتم توفير خدمات الترجمة اللازمة للناطقين بها إرسالاً واستقبالاً، والاعتداد بالنصوص المكتوبة بها في مختلف مستويات التعامل والتحكيم، وأضيفت بذلك إلى اللغات الخمس الكبرى التي كان يتم التعامل بها في أروقتها وهي الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والروسية والصينية، وهي مجموعة الدول التي تملك حق «الفيتو» في قرارات مجلس الأمن الدولي، مضافاً إليها اللغة الأسبانية التي لوحظ في منحها هذه الميزة، أنها ليست فقط لغة دولة كبرى في أوروبا الغربية هي أسبانيا لكنها إضافة إلى ذلك، لغة شعوب كثيرة في قارة أمريكا اللاتينية تتخذ الأسبانية لغة رسمية لها، بل يمتد هذا الاتجاه إلى بعض الولايات المتحدة الأمريكية.
ولم تنل هذه المكانة اللغوية في الأمم الأخرى لغات دول أخرى ذات ثقل سياسي واقتصادي بارز، مثل اللغة الألمانية، واللغة الإيطالية، واللغة اليابانية ، واللغة البرتغالية التي تكتسب جزءاً من نفوذها من استخدامها في دول متطورة في أمريكا اللاتينية، فضلاَ عن اللغة العبرية، التي يرى أصحابها أنهم يرتقون قمة سلم التطور والتقدم في منطقة الشرق الأوسط على الأقل وكذلك اللغة الفارسية التي تمثل قوة يعتد بها.
ولم يكن من المصادفة أن تحظى العربية بهذا الاعتراف الدولي سنة 1973 في شهر ديسمبر في أعقاب الانتصار المدوي الذي حققه العرب في أكتوبر من نفس العام وعبروا خلاله الحواجز المنيعة في قناة السويس وخط بارليف وظهروا أمام العالم باعتبارهم قوة متجانسة تستحق التقدير من خلال التنسيق بين القدرات المتنوعة لهذا العالم العربي، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وتوظيفا لثرواتهم الطبيعية في تحقيق أهداف مشروعة، وأصبح ينظر إليهم في هذه اللحظة باعتبارهم «القوة السادسة» على مستوى العالم ومن ثم احتلت اللغة العربية مرتبة الاعتراف الدولي بها انطلاقاً من أن مكانة أية لغة من مكانة أهلها.
ولا شك أن ما حدث سنة 1973 من هذا الاعتراف الدولي بالعربية، شيء طيب يستحق أن نحتفي به كل عام، وأن نقيم الندوات والمؤتمرات في مختلف أرجاء الوطن العربي لنتحدث عن العربية وجمالها وعراقتها وديمومتها المرتبطة بديمومة الكتاب المنزل بها «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».
لكن هذا الشعور المبهج وحده لا يكفي لكي تكون اللغة في واقعها لغة حية، تعتز بأهلها ويعتز أهلها بها، ولابد من خطط وخطوات أخرى عملية وعلمية مدروسة، تعزز هذه المكانة التي منحت – ورقيا- على المستوى الدولي وتقويتها.
ولابد أن نتذكر أولاً أن اختيار يوم الثامن عشر من شهر ديسمبر يوماً عالمياً للغة العربية، لم يأت انطلاقاً من حدث لغوي كبير قام به العرب كلهم أو بعضهم في سبيل النهوض بلغتهم، وإنما أتى انطلاقاً من خلال اعتراف مؤسسة دولية غير عربية، بهذه اللغة تحقيقاً لأهداف تبتغيها وتسعى إليها قد تكون سياسية أو اقتصادية بالدرجة الأولى ولكنها بالتأكيد ليست «قومية» ولا بأس من ذلك في جانب منه، لكن الخطوة العالمية تلك، كان يمكن أن يكون لها مغزى أكبر، لو أن نقطة انطلاقها بنيت على حدث قومي عربي لغوي بارز، يشكل مرحلة في إطالة عمر لغة من اللغات.
وأمثال تلك الأحداث معروفة في تاريخ اللغات، بما في ذلك اللغة العربية نفسها، التي أخذت بعد الإسلام انطلاقتها الكبرى السياسية والحضارية وليس فقط الدينية نتيجة لقرارات سياسية حاسمة وبعيدة النظر مثل قرار «تعريب الدواوين» الذي تم اتخاذه في عهد «عبد الملك بن مروان» وأتباعه الأمويين أو قرار «فتح أبواب الترجمة العلمية على مصرعيها» الذي اتخذ في عهد الخليفة «المأمون» وأتباعه من العباسيين.
وأمثال هذه القرارات، هي التي تتجاوز باللغة العربية إطارها الديني الذي يلتقي داخلة المسلمون عرباً أو غير عرب، وهو الإطار المقصود في الأية الكريمة «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» إلى الإطار السياسي والحضاري الذي يترتب على القرارات المرحلية الحاسمة فتعريب الدواوين، الذي جعل التعامل في كل الإدارات الحكومية في أرجاء الإمبراطورية الإسلامية الواسعة يتم باللغة العربية دفع بالملايين من أبناء اللغات الكبرى التي كان يتم التعامل بها في أرجاء آسيا وأفريقيا مثل الفارسية والقبطية والسريانية والهندية، والتركية وغيرها، إلى هجر لغاتهم والإقبال على تعلم العربية للحصول على وظائف في الدولة أو لتسهيل معاملاتهم وامتزج هذا بالدوافع الدينية فسرت العربية في أرجاء الإمبراطورية سريان النار في الهشيم وقدمت أسرع نموذج عالمي في اللغات القديمة للانتشار والاستقرار في مدة زمنية وجيزة. وكانت الخطوة الحضارية الحاسمة في تشجيع الترجمة إلى العربية من اللغات التي دونت بها الحضارات القديمة واشتملت على علوم الأوائل خطوة شديدة الأهمية في تاريخ الحياة العلمية والحضارية للغة العربية، فقد واجهت العربية التي كانت خارجة من عهد قريب ومن حياة صحراوية محدودة الأفاق مهما كانت جياشة المشاعر، واجهت فيضاً غزيراً من المعاني العلمية، كان عليها أن تثبت في سباق التحدي أمامها وأثبتت نجاحها حين اتسعت خلاياها، وتجددت مفرداتها، ولانت تعابيرها واستجابت ألسنة أبنائها وعقولها فتولدت عن ذلك كله حيوية مزدوجة للغة ولأبنائها معاً فأصبحت العربية «لغة عالمية» بالمعنى الحقيقي، لا بالقرارات الرسمية وحدها، واصبح أبناء العالم الوسيط من غير العرب والمسلمين يكملون زينتهم العلمية والحضارية بتعلم العربية والتكلم بها.
إن أمثال هذه الخطوات الكبرى في تاريخ اللغات هي التي تعطي للغة ما، صفة العالمية قبل أن تكتسبها من القرارات الدولية وأعتقد أن مشكلتنا الحقيقية، أن لغتنا في الوقت الذي تسعى فيه إلى العالمية، تفقد كثيراً من مواقعها المحلية على مستوى التعليم والإعلام والتواصل وتوطين العلم وتفقد الحد الأدنى من التخطيط لاستعادة عافيتها في كثير من هذه المجالات كما سنرى في المقال القادم.

ديسمبر 28, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats