آخر الأخبار

ثقافة السبعينات في مصر.. ذكريات لم تمت

Share Button

سيرة ثقافية واجتماعية..
إيهاب سيد أحمد –

ما بين وفاة عبد الناصر واغتيال السادات، مثلت حقبة السبعينات تحولا كبيرا وانتقالا حاسما في تشكيل جيل من المثقفين المصريين والعرب، وفي الوقت ذاته إعلان تمام تكوين الجيل السابق وهو الأشهر في الأدب المعاصر؛ جيل الستينات. مرحلة دقيقة شهدت فيها مصر والعالم تحولات مهولة: انقلبت السياسة وتبدل الاقتصاد وتطورت التكنولوجيا، فتبدلت حياة الأسرة المصرية والعربية معا.
عشرات من الكتب والشهادات التي سجلت ذكريات وسير أبناء الخمسينات والستينات، وفي المقابل قلما وجد نص يسجل شيئا من أجواء السبعينات، وما ميزها من ثقافة وسياسة وأدب وفن.
في كتابه الجديد «كنت صبيا في السبعينات ـ سيرة ثقافية واجتماعية»، الصادر أخيرا عن دار الكرمة للنشر والتوزيع بالقاهرة، يرصد الكاتب والناقد القدير محمود عبد الشكور، بحسه فائق الرهافة وبصيرته النقدية الناصعة، كل ما تفتحت عليه عيناه منذ وفاة عبد الناصر، مفردات وعلامات شكلت جيلا كاملا من المثقفين المصريين وامتدت آثارها إلى خارج مصر إلى بقية أنحاء العالم العربي:
الشارلستون والفساتين القصيرة، والتلفزيون الملون، وفيلم «خلي بالك من زوزو»، ومقتل سلوى حجازي، وحرب أكتوبر، ومحمود الخطيب، وحسن شحاتة، ووفاة فريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الحليم، والمغامرون الخمسة، وجماعة التكفير والهجرة، ومدرسة المشاغبين، وبطولة ويمبلدون، وكأس العالم، وماما نجوى وبقلظ، وبروس لي والكاراتيه، وبرنامج العالم يغني، والثنائي نجم والشيخ إمام، والسادات في الكنيست، وانتفاضة يناير 1977، وفوازير نيللي، ومعاهدة السلام..
يقول محمود عبد الشكور عن هذه السيرة «هذا الكتاب قطعة من حياتي وزمني كتبتها بصدق وسعادة، آمل أيضا أن تصل إليكم بالحماس الذي كتبت به. في الكتاب ما يزيد عن سبعين صورة شخصية وعامة عن أثرى فترة في عمري، الفترة التي صنعتني رغم أنني كنتُ ما زلت صبيا، أحكي عن أبي وأمي وبلدي والمجتمع والناس والسياسة والفن والاقتصاد والرياضة والموت والحياة والبنات الحلوة وبيتنا في شبرا وبيتنا في الصعيد، عن أول فيلم وأول كتاب وأول مرة أمسك فيها القلم، أكتب عن عبد الناصر والسادات وهيتشكوك وثومة وحليم وفريق الأبا وجماعة التكفير والهجرة وبنطلوني الشارلستون وقمصاني الملونة وزوج عمتي الشهيد في حرب أكتوبر والمدافع المضادة للطيارات فوق كوبري نجع حمادي وساندويتش طعمية بالفلفل الأخضر التهمته قبل أول مرة أدخل فيها السينما وما زال طعمه على لساني.. أحاول أن أسترد معكم ذكريات لم تمت أبدا».
في سرد حي وشيق، مدعم بصور جميلة ونادرة تجسد ثقافة العصر، يذكرنا الناقد الثقافي محمود عبد الشكور بهذه السنوات الثرية: نعيش معه طفولته ومراهقته بين القاهرة والصعيد، ونرى من خلال عينيه كيف عاشت العائلة المصرية، كيف كان التعليم في المدارس، ماذا كان الناس يقرأون في السبعينات، وماذا كانوا يشاهدون في التلفزيون والسينما والمسرح، كتاب يربط بذكاء بين الخاص والعام، ويحكي لنا قصة جيل كامل وعصر مثير مليء بالحيوية والإبداع.
سيرة نابضة بالحيوية والحنين والشجن من تاريخ مصر والعالم العربي، يرصد صاحبها بقلمه المنسال كالمياه العذبة، لحظات التفتح والدهشة والترقب والترصد والاكتشاف، سيرة ممتعة تبتعد عن التأريخ الأكاديمي الجاف، وتجعل القارئ يعيش داخل أسرة تكاد تكون نموذجًا لعديد من العائلات المصرية وقتها.
يقول عبد الشكور «تعلمت مبكرا ألا أخاف من الكتب مهما تضمنت من أفكار، الخوف الحقيقي هو ألا تقرأ وألا تعرف، قد تتوه، بل على الأرجح ستتوه، ولكنك حتما سترسو على البر، طالما استخدمت عقلك، وطالما اجتهدت وبحثت، كان أبي يردد عبارة لا أعرف من قائلها، ولكن لا بد أنه كان مفكرا غربيا، تقول العبارة: «نحن الأوربيون القلقون دائما»، القلق معناه أن تفكر، والتفكير معناه أنك موجود، تعلمت ذلك من أبي مباشرة، حتى قبل أن أدرس الفلسفة في المدرسة».
كان هذا العنصر التكويني المبكر هو الذي طبع الشخصية وجعلها في ما بعد من أهم النقاد على الساحة، استقلالية في الرأي والتفكير، امتلاك للأدوات النقدية ورسوخ وثقة في التعامل معها، انفتاح واسع وثري على كافة التيارات والاتجاهات الفكرية والفلسفية، رحابة في الرؤية والتصور وقبول الاختلاف، كل ذلك بلا شك لعب دورا في ما صارت إليه الشخصية صاحبة السيرة، وجعلته من النقاد الأكثر جماهيرية وجاذبية ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي أيضا.
في هذه الرحلة الباذخة، تستدعي الذاكرة بحنين جارف، مشاهد ومشاهدات من فترة عامرة بالتحولات وشهدت أحداثا جساما، لعبت فيها التقنيات البصرية دورا بالغ التأثير في تشكيل وعي ووجدان جيل بأكمله، جيل عرف بأبناء السبعينات الحارة، جيل تفتحت عيناه على مأساة سقوط الحلم العربي، وانهيار المشروع القومي العروبي، ووفاة عبد الناصر، وحرب أكتوبر 73، وانقسام شبه القارة الهندية، والثورة الإسلامية في إيران، وصراعات وتوترات في بؤر عديدة من العالم وصولا إلى مشهد اغتيال السادات العبثي، في الاحتفال بيوم النصر ووسط الجنود والضباط.
وصلت ذروة عمليات الاغتيالات التي بدأت منذ عام 1974 مع جماعة الفنية العسكرية من أنصار صالح سرية، ولحقت بها عملية اغتيال الشيخ محمد حسن الذهبي الذي كان من خيرة علماء الأزهر وصاحب واحد من أهم المراجع الحديثة عن «التفسير والمفسرون» في ثلاثة مجلدات. كان اغتيال الذهبي في يوليو 1977 بواسطة جماعة التكفير والهجرة. وما بين اغتيالات 1974 و1977 تزايدت معدلات الإرهاب الديني التي نجحت في اغتيال بعض الشخصيات السياسية، وخلّفت الدمار حولها إلى أن نجحت في اغتيال السادات نفسه في (أكتوبر) 1981 وسط قواده ورجال دولته.
لا يتوقف الكتاب عند أحداث بعينها أو شخصيات أو كتب، بقدر ما يستدعي كل هذه الأمور لجلاء أثرها على صفحة نفس وروح صاحبها، الكتاب عامر بالنصوص الشعرية وكلمات الأغاني والمواويل الشعبية والفوازير وتترات الأفلام والمسلسلات، يستدعيها صاحب السيرة ويستعيد استجلاء جمالها وأثرها، يبرزها من جديد ويلقي بها في بؤرة الاهتمام والضوء، يقدم صفحات ناصعة من الاستجابة لجمال الفن والكلمة والصورة، وحتى اللعبة الحلوة كما في كرة القدم، لو كان هناك وصف يصدق على هذه السيرة غير كلمات «سيرة ثقافية واجتماعية» لكانت أيضا «سيرة فنية وجمالية حرة».
محمود عبد الشكور ناقد سينمائي وأدبي مصري من مواليد ديسمبر 1965. تخرج في كلية الإعلام قسم الصحافة عام 1987. تدرب في جريدة «الوفد»، وعمل في مكتب جريدة «الأنباء» الكويتية. نشرت مقالاته في عدد كبير من الجرائد والمجلات العربية والمصرية، مثل «القبس» الكويتية، «اليوم السابع» الباريسية التي كانت تصدر في نهاية الثمانينات، جريدة «روز اليوسف» اليومية، مجلة «روز اليوسف»، جريدة «التحرير»، مجلة «السينما الجديدة»، مجلة «الهلال»، جريدة «اليوم الجديد»، موقع «عين على السينما»، وموقع «الكتابة». اشترك في لجان المشاهدة لمهرجان القاهرة السينمائي ومهرجان الإسماعيلية للأفلام الوثائقية، وكان عضوًا في لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة. هو عضو نقابة الصحفيين، وعضو جمعية نقاد السينما المصريين. ويشغل الآن منصب نائب رئيس تحرير مجلة «أكتوبر». صدر له كتاب «يوسف شريف رزق الله.. عاشق الأطياف» 2014، وصدر له أخيرا «أقنعة السرد- قراءات في روايات مصرية وعربية وعالمية» عن الدار المصرية اللبنانية، و«سينمانيا- مقالات عن أفلام عربية وعالمية»، «وجوه لا تنسى- بورتريهات عن مشخصاتية مصر» عن دار الشروق.

ديسمبر 28, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats