آخر الأخبار
أنا والجدة نينا نموذج

أنا والجدة نينا نموذج

Share Button

ملامح التجريب والتداخل النصي المتعدد في الرواية العمانية –
فاطمة الشيدي –

اعتاد المتلقي العربي أن يبحث عن تنميط شكلي جاهز أو متعارف عليه لكل كتاب يقتنيه قبل أن يقرأه، كما اعتاد وهو المشغول بهاجس التتبع والفضول في الحياة والنص، أن يبحث عن الراوي ذاته في كل رواية تقع بين يديه، ولعل لذلك الحس التلصصي ما يبرره حيث تتداخل فنون الحكي النصية مع بعضها حتى لا يمكن التفرقة بينها، كما أن الذات الكاتبة لا يمكن – شاء كاتبها أو أبى- أن تنفصل عن السارد ذاته الذي يحيك عمله السردي عبر تداخل الداخلي والخارجي منه، في تمازج غير مدرك غالبا، يجعله لا ينفصل عن عمله، بل كلما كان العمل قريبا من ذات كاتبه يكون أكثر صدقا وقربا من القارئ الشغوف بالحقيقي والصادق.
وإذا كانت السيرة الذاتية هي حكاية ذاتية جدا للكاتب، بكل تفاصيلها وأماكنها وتعالقاتها السردية السرية والعلنية، فإن الرواية هي سيرة ذاتية مقنّعة غالبا، أو تتضمن الكثير من ملامح الذات وزواياها، هذا ناهيك عن فكر الكاتب الذي يتجلى عبر الفكرة، والمضامين والمحاذير التي يبثها قصدا أو عرضا في عمله الفني.
كما أن كتابة جزء من الحكاية الذاتية بفصلها عن الحياة الشخصية، أو باشتقاقها منها، عبر الكلي أو الجزئي من التفاصيل كما في السيرة الذاتية، أو عبر استحضارات حقيقية للشخوص والمكان كما في أدب الرحلة، لا يعد نقصا ولا إخلالا بشروط الفعل السردي المتقن. وحين لا يريد الكاتب أن يخبر عن جنس العمل فهذا حقه، كما له أن يضع تجنيسا «دعائيا» على غلاف كتابه كما «رواية» وتكون في الحقيقة غير ذلك تماما، ولكن يمكن للمتلقي أن يتعامل مع النص كلص محترف يقتنص مظاهر الكتابة وطبيعتها، ويعيد تصنيفها لتكون سيرة ذاتية، أو حتى نصا سرديا طويلا، أو تدخل في باب أدب الرحلة، وبالتالي يعيد قراءتها عبر نظريات التلقي التي ينطلق منها أو يتحرك ضمنها.
إن الحس السردي يقابله وعي التلقي بالتجنيسات الأدبية والأشكال الفنية التي ينطلق منها النص أو يحتكم إليها، والتي هي بالطبع ليس كلية ولا تامة، فكل يوم يمكن أن يُشتق فن جديد، أو يستيقظ فن بائد، فالإبداع ليس حكرا على أحد، وللمبدع الحاذق أن يبتكر أو يؤاخي بين الأشكال، وللمتلقي الحصيف أن يفنّد وينظّر، فهذا دور كل منهما.
وبالنظر للأعمال السردية العمانية فنجد أن الكثير منها يحمل صفة «رواية» في حين يبتعد كثيرا أو قليلا عن هذا التصنيف، فمثلا نجد ملامح السيرة الذاتية تظهر كثيرا عبر معظم هذه الأعمال، حتى لا تكاد تخلو رواية أو قصة أو حتى نص من ملمح من السيرة الذاتية بشكل واضح أو خفي، عام أو جزئي، بليغ أو متلعثم.
والكثير من تلك الأعمال تحمل تصنيفات محايدة كـ (الرواية، والقصة القصيرة، والنصوص)، ولكنها في الحقيقة أبعد ما تكون عن حدية التصنيف التي تضعه على الغلاف، وربما تتداخل عبرها الكثير من التصنيفات. ومن هذه الأعمال رواية (أنا والجدة نينا لأحمد الرحبي) فالرواية التي تدور في فضاءات المكان الروسي بكل برودته الداخلية والخارجية، تحمل الكثير من أبعاد السيرة الذاتية للسارد، كالمكان، وتوحد السارد/‏‏ البطل، كما تحمل ملامح من التدوين المكاني الذي يمكن أن يدخل في أدب الرحلة، أو النص المفتوح.
ويمكننا أن نتخذ عبارة «كن سعيدا» وهي أمنية الجدة نينا (البابوشكا) الروسية، لسعد الله العماني، بؤرة لهذا السردي، أو مفصلا محركا لزوايا الرؤية في هذه الرواية، أو محور تدور حوله أحداث الرواية وتحركات بطلها العماني، حيث تجسّد الرواية في بعدها الإنساني حكمة هذه المرأة وصبرها وعمق شخصيتها الطيبة، وقوة شكيمتها في مواجهة الزمن والحياة والوحدة والبرد والبشر، والتي يُكبِرها الغريب ويتعلم منها، ويكتب عنها.
الغريب العماني القادم لروسيا للدراسة في معاكسة قدرية منعته من الذهاب لبلد آخر، الرجل الشرقي العطِش أبدا للنساء، والذي يبحث عن الحب في كل وجه أنثوي يراه، بدءا من صوفيا الزميلة التي صدمته معرفة كونها متزوجة، حتى ماريا حفيدة البابوشكا، الجميلة الحادة في طباعها، الخارجة للتو من صدمة عاطفية تجعلها تنفر من جنس الرجال.
يذهب المتلقي مع البطل (طالب عماني) في نص مختوم بتصنيف «رواية» في فضاء المكان الروسي (الجامعة والأماكن المحيطة بها)، وتنتهي نهاية مفتوحة تشعر المتلقي بالصدمة، حيث لا نقطة تقنعه بمنطقية توقف سير الأحداث، فيميل إلى أن ثمة جزء قادم يكتبه السارد/‏‏ البطل، وما أن ينتهي من الرواية – مع كل المتعة التي حظي بها- حتى يتبادر لذهنه سؤال هل «أنا والجدة نينا» رواية مكتملة العناصر والبناء العضوي للنص الروائي؟ أم هي مذكرات شخصية لطالب عماني يدرس في روسيا، يستحضر فيها الجامعة والسكن الجامعي بكل مشاكله المادية والإنسانية (الذي استبدله أخيرا بالسكنى عند الجدة نينا)، والعلاقات الإنسانية بين الزملاء بما فيها من اختلاف وتعدد، ونفور، وتقارب، ينطلق من اختلاف أنماط الشخصية والتكوّن النفسي، وطبيعة البيئات القادم منها كل واحد من هؤلاء الطلبة، ومع الزميلات التي تناوش الرغبة فيهن الرجل الشرقي الوحيد النهِم للجسد، والباحث أبدا عن جسد أنثى، ليدفئ به سعار البرد والوحدة، مجربا حظه معهن واحدة تلو الأخرى؟!
وقد تصل لفكرة وسطية وهي أن النص يمكن أن يصنّف في عدة اتجاهات منها السيرة الذاتية أو السيرة الروائية، أو أدب الرحلة، حيث يدرك المتلقي تماما الخيط الرفيع بين حدود المخيلة، وحدود الواقع، أما الرواية فهي فن يتداخل فيه هذان الأمران معا. حتى لا يمكن الفصل بينهما.
وخارج التصنيفات الفنية الجاهزة، والقابلة للتغيير والمزاوجة، فإن هذا النص يحمل من العمق، وانسجام خط الأحداث، والوعي برسم الشخصيات، والأساطير الضمنية المستحضرة من قبل الراوي/‏‏ السارد حول روسيا، والتأملات الروحية للكاتب الذي تنطلق من الصراع الداخلي الذي يعيشه بين زمنين ومكانين، والالتفاتات العميقة لتفاصيل المكان والإنسان (الأنا) والآخر، وتسجيلات الذاكرة المتداخلة بين الماضي حيث الطفولة والوطن، والحاضر حيث الشباب والغربة، واللغة الشعرية العذبة وغير المحلقة كثيرا (تلك التي قد تربك القارئ)، وهو يرسم الاحداث، ويحرك الشخوص كل حسب مستواه، والمتصاعدة بدفء في حواراته الداخلية وتهويماته الخاصة، وجدة الزاوية التي يتناول بها الكاتب الفضاء المكاني، حيث جدة التدوين للمغترَب المكاني (روسيا) في الأدب العماني في الأقل، والتجسيد الطبيعي جدا للشخصية المحورية كطالب مغترب يسقط ويقوم، ويجوع ويأكل، ويحب ويحبط، خارج الرسم البطولي أو نفخ الملائكية في روحه، كما يحدث كثيرا في الروايات العربية، كل هذا يجعل القارئ يمضي بلهفة في الرواية «كما أراد مؤلفها وناشرها في الأقل من تصنيفها» حتى النهاية المفتوحة على الداخل حيث سيستكمل الراوي/‏‏البطل يوما ما، حكاياته، وأحلامه، واخفاقاته، وهزائمه، وأفراحه الصغيرة، واحتفاءاته المتكررة في اغترابه. وعلى الخارج حيث الحياة والبشر والوجوه والحكايات المتداخلة التي تحدث دائما خارج الإنسان، وما بينهما، حيث علاقة هذا الغريب بالمكان الكبير روسيا، والصغير «بيت الجدة نينا التي يسكن في غرفة منه» وبالنساء ومارية تحديدا.
ويمكننا القول أنه ربما ليس على الرواية أن تذهب بعيدا للداخل حيث منطقة الشعر، ولكن إن ذهبت فلعل الأمر يصبح في بعض الأحيان أكثر دفئا وصدقا في التدوين، وربما حظي المتلقي -قارئا وناقدا- بالكثير من المتعة للابتكارات اللاواعية التي يجسّدها النص الذاتي كالشعر والنصوص المفتوحة، والجماليات الحقيقية للفضاء المكاني وصفا عميقا وصادقا، لأنه معاش وحاضر في الذاكرة والوعي تماما، فيصبح التدوين المكاني أشبه بنقل صورة متحركة، وإحساس مضاعف.
إن التداخل الجنساني التجريبي بين النصوص أصبح قيمة فنية يجب الانتباه إليها، فهي تفرز علائقية نصية وإنسانية ومكانية خاصة، لم تعد الأشكال الجاهزة تستوعبها، فهي تتمرد تدريجيا عليها لتجمع بين النص الشعري والنص السردي وأدب الرحلة، والسيرة بمستوياتها الداخلية والخارجية، وغيرها من الفنون، والمقالة الفنية أحيانا، وبالتالي فهناك مخاضات إبداعية تجريبية تأخذ بالنص في فضاءات التجريب الشكلي لتتمخض عنه أشكال فنية جديدة غير منتمية بما يكفي للأشكال القائمة، بل لعلها تروم صدقا وفعلا، الترفع عليها والخروج من دوائرها التقليدية، لتنحو منحا متشابكا ومتداخلا في بنيته الفنية الشكلية والمضامينية التي ليست عليها أن تجمد أو تتحنط لتعجب الزراع في النقد الثابت، بل عليها أن تحاول التجريب لتحلق في أوسع الآفاق وأكثرها جدلا وإشكالية وتمردا، مما يراد له أن يرعب المتثبتين بالجاهز من الأنماط، ويزحزح الشكلانية في الفكر السائد، ويربك التراتبية في الحياة والنص، فهذا غاية فعل الإبداع وهدفه.

ديسمبر 28, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats