آخر الأخبار

ليبيا فرص النجاح ومخاوف الأفغنة

Share Button

إميل أمين –
كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

يرحل العام الحالي مخلفاً وراءه أحد أهم الملفات العربية المفتوحة على كافة السيناريوهات من التهدئة والتوافق الداخلي وصولاً إلى الأفغنة والبلقنة، والمزيد من التشظي القاتل المهلك للإنسان والزرع والضرع.
فحكماً إذا نحَّينا الملف السوري جانباً فنحن أمام الملف الليبي حيث إرهاصات من الأمل تلوح في الأفق بعد توقيع عدد من الفرقاء الليبيين لاتفاق سلام في مدينة الصخيرات المغربية في السابع عشر من ديسمبر الجاري.
غير أن أسئلة مثيرة بعينها تطرح ذاتها على مائدة الإشكاليات العقلية، الواجب تأملها بعناية، فالمقدمات فلسفيا تقود إلى النتائج بديهياً، وعليه فإن علامة استفهام عريضة ترتسم في الأفق مفادها: «هل هذه الخطوة كفيلة بإنهاء الفوضى الأمنية والنزاع على السلطة الذي تشهده ليبيا، وتسبب في انقسام ليبيا قبل نحو عام ونصف عام بين السلطتين اللتين تتقاسمان الحكم؟.
المؤكد بداية أن هناك رغبة قوية لدى المجتمع الدولي تسعى إلى إنهاء النزاع في ليبيا عبر توحيد السلطتين في حكومة واحدة تلقى مساندة دولية في مهمتين رئيسيتين: مواجهة خطر التطرف الذي وجد له موطئ قدم في الفوضى الليبية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية…. كيف لنا أن نقيم اتفاق الصخيرات بداية؟
لا يفهم المرء التصريح الذي أطلقه «مارتن كوبلر» المبعوث الأممي إلى ليبيا ووصف فيه يوم التوقيع بأنه «يوم تاريخي»، ذلك أن ما جرى لم يكن توقيع قادة أو مسؤولين بشكل نهائي، بل توقيع أعضاء من الجانبين، أعضاء لا يمثلون في واقع الأمر كل أفراد البرلمانيين المتصارعين شرقاً وغرباً، وعليه فإن رعاية الأمم المتحدة تبدو غير واضحة المعالم لاسيما أن أحداً لم يجب عن التساؤل الجوهري: «وماذا عن الأعضاء الآخرين الرافضين التوقيع؟
تبدو صيغة الاتفاق تفاؤلية طهرانية بل يوتوبية في عالم البراجماتية السياسية، وهو أمر في واقع الحال لا يحقق مزايا للوضع في ليبيا، وربما لا يتجاوز المشهد «حقنة المسكنات» التي لا يلبث المريض بعدها أن يشعر بالألم بعد انتهاء مفعولها، فالاتفاق ينص على توحيد السلطتين المتنازعتين في حكومة واحدة، ولم يتوقف ليخبر كيف سيتم هذا التوحيد وبأي آليات، وكيف لفريقين متصارعين يمتلك كل منهما السلاح والعتاد والجنود على الأرض أن يبلورا رؤية واحدة، في حين قعقعة السلاح تكاد تصم الآذان، ليس هذا فقط بل يمضي الاتفاق في طريق عمل مجلس رئاسي، ومرحلة انتقالية تمتد لعامين وتسمى بانتخابات تشريعية، وهذه بدورها بدون توضيح أو تفسير لآليات التنفيذ…. هل الباب مفتوح بالفعل أمام أولئك الذين لما يحضروا توقيع اتفاق الصخيرات كما قال كوبلر»؟
السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً: ما الذي يملكه هذا الاتفاق في عالم الواقع من قوة لتفعيل الاتفاق في مواجهة الرافضين له؟
واقع الحال أنه لا يملك شيئاً سوى قدر واف وربما غير شاف من التهديدات الغربية، وعليه فيمكن للمرء توصيفه بأنه اتفاق مؤقت غير ملزم للجميع، ولا يمتلك من القوة ما يكفي لتفعيله، وأى اتفاق لا يحتوي على ضمانات قوة كافية، لا يساوي أو يوازي الحبر المكتوب به.
كانت الطعنة الأولى لاتفاق الصخيرات قد وجهت من «دار الإفتاء الليبية، أعلى سلطة دينية في البلاد التي اعتبرت أن توقيع ليبيين لاتفاق الأمم المتحدة في المغرب أمر غير معتد به شرعاً» إذ إن الموقعين لا يملكون «ولاية شرعية» وليسوا مخولين للتوقيع …… هل يمكن لاتفاق بهذه الصورة أن يتطور لاحقاً ليضحي أساساً لبناء تصالحي يجمع الليبيين الذين فرقتهم خمس سنوات من أعمال القتال والعنف والذبح والتدمير؟
لقد أبطل بيان دار الإفتاء أي مفعول إيجابي مستقبلي للاتفاق، ذلك أنه بحسب نص البيان: فإن أعضاء المؤتمر والبرلمان الموقعين على الوثيقة غير مخولين من طرف المؤتمر، ولا من طرف البرلمان، ولذا فإن توقيعهم على هذا الاتفاق بهذه الصفة هو أمر لا يجوز شرعاً ولا قانونا ويلزمهم الرجوع إلى جماعة المسلمين».
ما مدى خطورة مثل هذا الطرح من دار الإفتاء الليبية؟
الشاهد أنه يعود بنا إلى جدل الصراع بين المطلق والنسبي، فالصراعات السياسية هي صراعات نسبية عادة، غير أنه حال صبغها بالصبغة الدينية، فإن المشهد يختلف جملة وتفصيلاً، ويضحي بمثابة إجبار لا اختيار، فالمسألة هنا تتصل بالشريعة وبالنواميس الإلهية، التي لا يمكن للبشر أن يكسروها على مذابح البراجماتية أو حتى الواقعية السياسية.
بعد إعلان التوقيع الذي جرى في غياب رئيس البرلمانيين الشرعي في طبرق شرق ليبيا الذى يمثله «عقيلة صالح»، والبرلمان المدعو «الانقلابي» في طرابلس، وينوب عنه «نوري أبو سهين»، أعلن الاثنان رفضهما للحكومة العتيدة قبل ولادتها، وأكدا أن موقعي الاتفاق لا يمثلون أياً من السلطتين.
هل يعني ذلك أننا أمام حالة من الانسداد التاريخي في الداخل الليبي؟
ربما يكون المشهد في حاجة إلى توضيح، فرئيسا البرلمانيين لديهما طرح آخر وهو اتفاق ليبي – ليبي داخلي، قبل انتهاء العام 2015، هذا الاتفاق ينص على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، ويعتبر أن أي حكومة تنبثق عن اتفاق الأمم المتحدة تمثل «تدخلاً خارجياً» كونها فرضت على ليبيا.
من هذه الرؤية يمكن لأي محلل سياسي أن يحاجج بإخفاق، ما قاله كوبلر لجهة أن «توقيع الاتفاق السياسي يمثل نهاية مسار المفاوضات، ويشكل البداية أيضاً».
لقد ترك كوبلر السيناريوهات مفتوحة كما أشرنا، لاسيما أن الرجل ليس لديه جواب عن السؤال الأبرز الذي يتركز حول كيفية جلب الحكومة إلى طربلس، وهو الذى وصفه بأنه سؤال يتم التفاوض من حوله مع أطراف أمينين فاعلين على الأرض؟ ما معنى هذا الكلام المثير والغريب لـ«كوبلر» وهل يفتح الباب مجدداً أمام التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا بعد المرة الأولى التي حولت ليبيا إلى دولة فاشلة باقتدار؟
يبدو أن هناك بعد جديد – قديم في نفس الوقت يفرض نفسه على صيرورة الأحداث وتدافع المشاهد في الداخل الليبي، ويتصل بتحول ليبيا إلى سوريا جديدة، تعشعش فيها داعش وأندادها، الأمر الذي يعني تهديداً مباشراً للجانب الأوروبي من الأطلسي… ما أبعاد المشهد المستجد في الداخل الليبي؟
بدون تطويل ممل يمكننا أن نشير إلى المأزق الذي تعيشه داعش سواء في العراق أو سوريا في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد الضربات الروسية المركزة التي أفقدت داعش الكثير جداً من مصادر تمويله، لا سيما النفط المهرب.
في هذا الإطار جاءت تحذيرات أمريكية مكثفة الأسابيع الماضية تشير إلى أن الدواعش يسعون إلى مناطق بديلة للنفط، يمكن لهم من خلالها تعويض الخسائر التي حاقت بهم في منطقة الهلال الخصيب.
عطفاً على ذلك فإن كثيرا من التقارير الأمنية والاستخباراتية تشير إلى أن ليبيا في طريقها لأن تتحول إلى مركز جاذب للإرهاب في شمال إفريقيا، ولهذا فإن المصالحة الليبية تبقى مسألة لا تهم أو تختص بالليبيين فقط، بل باتت مسألة أمن قومي بالنسبة للأوروبيين بنفس القدر.
يتحدث البعض عن اتفاق الصخيرات الأخير باعتباره «كعب أخيل» سينفذ من خلاله التدخل الأجنبي في ليبيا مرة جديدة، وهذا ما يفهم من تصريحات «مارك بييريني» المحلل لدى مؤسسة «كارنيجي» الأمريكية، والسفير السابق للاتحاد الأوروبي في تونس وطرابلس الذي أعتبر أن الاتفاق يمكن أن يفتح مجالاً لطلب المساعدة من الغربيين يوماً، لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
… هل نحن إذن أمام مخطط أجنبي يتجاوز مسألة ترتيب أوضاع ليبيا والليبيين في الداخل إلى إعادة احتلال ليبيا من جديد؟
لا يستطيع المرء أن يصل إلى خلاصة حقيقة للمشهد في ليبيا، فهل داعش هي سبب استقطاب قوات غربية أم أن الغرب هو من له مصلحة في تجميع داعش في تلك الرقعة من الأرض، حتى يبنى عليها لاحقاً قرارات وتوجهات إمبريالية بعينها؟
غير أنه في كل الأحوال تبقي هناك حقائق لا يمكن إلا لمغيب أو جاهل إنكارها، وتتصل اتصالاً مباشراً بوجود داعش على الأرض، فالجماعات المتطرفة، والميلشيات الليبية المتباينة، قد تقوم بدور المهدد الأول لنسف أي اتفاق يخص ليبيا، فداعش تسيطر اليوم على مدينة سرت، وتأخذ في التوسع شرق وغرباً، بالإضافة إلى أن هناك جماعات أخري كأنصار الشريعة المتمركزة في بنغازي، والجماعة الإسلامية المقاتلة، وعليه يضحي من المقطوع به أنه لن تستطيع أي حكومة ليبية أن تفرض أي اتفاق سياسي حول هذه الجماعات، فما الذي تحتاجه ليبيا كي تتجنب نموذج أفغانستان والمعروف بالأفغنة؟
يرى «أحمد قذاف الدم» الرجل الذي لعب دوراً بارزاً في تنسيق السياسات الخارجية الليبية في زمن معمر القذافي أن بلاده مقبلة على سيناريوهات مشابهة بما جرى في العراق وأفغانستان والصومال،إذا لم تتوافق الأطراف المتنازعة على «حكومة محايدة» لا حكومة توافقية.
هل يمكن لليبيين فعلاً وقولاً بلورة مثل هذه الحكومة المحايدة لانتشال البلاد من وهدة الجحيم التي تعيش فيها؟
قطعاً لا يمكن حدوث ذلك إلا عبر حوار واسع ومجتمعي في الداخل الليبي، حوار لا يستثني أو يقصي أي من المكونات الليبية، وإبعاد أو أقصاء أي طرف سيكون معناه صعوبة بل استحالة التئام اللحمة الوطنية في البلد المنهك الذي بلغ البؤس فيه مدى بعيداً وخطيراً.
يحتاج الليبيون إلى العودة مرة أخرى إلى حال «سبيكة الانصهار»، تلك التي تشكل من أرض ليبيا في مواجهة ما تتعرض له مؤامرات الداخل والخارج، الشمال والجنوب، دفعة واحدة. وهنا قد يكون من الجيد تلبية الدعوة التي وجهها المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية إلى السلطات التنفيذية في ليبيا بشأن تطبيق قانون العفو العام رقم 6 الصادر عن برلمان طبرق بتاريخ 6 سبتمبر 2015 ، باعتباره أحد العناصر الأساسية للمصالحة الوطنية الحقيقية. فيما الأمر الآخر يتصل بأوروبا من جهة، ودول جوار ليبيا من ناحية ثانية. بالنسبة لأوروبا والناتو، وها هم يتذكرون النصائح التي وجهت لهم قبل غزو العراق، وها هم رسمياً يندمون، ويقول مدير الاستخبارات العسكرية الأمريكية الأسبق: لن يغفر لنا التاريخ ما فعلناه.
وعليه فلابد أن يكون تفكير الناتو وأوروبا منزهاً عن الأغراض الإمبريالية الخفية، ذلك أن انفجار ليبيا سيكون كارثياً على قارتين دفعة واحدة أوروبا وأفريقيا.
وفيما يخص دول الجوار فمن الواضح أنها تقوم بدور فاعل كما فعلت المغرب، وربما يتطلب الأمر تفعيلاً أعلى درجة للأنشطة الدبلوماسية العربية حتى الإفريقية المجاورة لليبيا من أجل إنقاذ دولة مهمة على الساحل وفى عمق الصحراء.
لا يتحمل السلام العالمي إخفاقاً ليبياً جديداً، وعليه فمهما يكون من أمر اتفاقية الصخيرات والانتقادات الموجهة لها إلا أنها تعد بداية يمكن بمجهود وإخلاص داخلي وخارجي البناء عليها لإنقاذ ليبيا من مسار ومصير العراق وسوريا.

ديسمبر 28, 2015

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats