آخر الأخبار

مدنية المجتمع … تتفوّق على الدولة

Share Button

د. أحمد بن سعيد الشعيلي –
dr.ilaw@hotmail.com –
إن المجتمع المدني باعتباره قيمة إنسانية، هو من يستطيع أن يصنع الدولة المدنية، فما أعنيه بمدنية المجتمع، هو الفعل الشعبي ذو العلاقة بكل ما يتصل بشؤون الإنسان، وهو بهذا المعنى يشمل كل أنواع الأنشطة التي ينظّمها المجتمع في إطار المصالح والقيم والأهداف المشتركة، التي تجمع وتؤلّف تركيبة الطيف المجتمعي، وتعمل على التأثير على السياسات العامة للدولة، وتخدم المجتمع في كافّة المجالات، التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية…، وهذا التركيب المدني، يجيز أن يجتمع المواطنون خارج دائرة العمل الحكومي بغية نشر المعلومات، والاستفادة منها، واستخدامها في شكل العمل السياسي، أو في تقويمه وتعديله.

ويمكن أن يضم المجتمع المدني مجموعة واسعة من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن الاهتمامات والقيم التي تعني أعضاءها، أو تعني الآخرين أيضا، وذلك بالاستناد إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. كما يشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى جمعيات ينشئها أشخاص تعمل على بلورة  قضية مشتركة، ودعم مرتكزها، وهي تشمل المنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري، أما الميزة المشتركة التي تجمع بين منظمات المجتمع المدني كافة على تنوعها، فإنها تتمثل باستقلالها عن الحكومة والقطاع الخاص، على الأقل من حيث المبدأ، ولعل هذا الطابع الاستقلالي هو ما يسمح لهذه المنظمات بأن تعمل على الأرض، وأن تقوم بدور مهم في أي نظام ديمقراطي…فهي تستطيع أن تنشط في هذه الفضاءات المسؤولة، فالحرية في طرح الآراء بانتظام، ينعكس بشكل إيجابي على دقة عملها، ونوع اختصاصها، وشمول مجالها.
وفي الدول المرتبطة بحكم الشعب، فإن منظمات المجتمع المدني تضطلع بدور محوري ومعالجات حيوية في ميادين التطوير الذاتي للمجتمع والأفراد، لأنك كلّما أتحت الفرصة، وفتحت الباب واسعا في نشاط العمل المدني المؤسسي، فإنك تكون قد ألزمت الفرد والمجتمع على تحمّل مسؤوليته الكاملة في البناءات التنموية بشكل فعّال، وتجد تراجعا لدى الدول التي لا تمنح الشعب قوة في حركة العمل المدني، وتلاحظ بشكل مباشر، تباطؤا في نسب التنمية، كما تجد دائرة التفكير – على المستوى العالمي – لدى أفراده أكثر بساطة، بالطبع، هذا يدعو للأسف الى الشفقة، ويؤكد في الوقت ذاته، على أن مدنية المجتمع يجب أن تتفوّق على الدولة، فلدى العالم المتقدّم – اليوم – يمكن أن تجد مؤسسات المجتمع المدني في مجال عملها وتأثرها أقوى من الدولة في بعض صورها…بمعنى، لا يمكن أن تتخذ الدولة أي قرارات مصيرية بالأخص دون أن تكون الكلمة الأولى للمجتمع ومؤسساته، كما يجب أن تكون لدى الدولة الإجابة الصحيحة عن كل التساؤلات الشعبية الممثّلة في دار الشعب والبرلمانات.
إن تركيز المجهودات الفعلية في سياق العمل الإنساني الحرّ له تأثيره المباشر في إجادة العمل المنظمي خارج الإطارات الحكومية الرسميّة، وهنا يستطيع المجتمع أن يبني نفسه بنفسه، وأن يراعي في نشاطه بالأساس المصالح الوطنية بكل ما تعنيه هذه الدلالات من تقديم مصلحة الجماعة على المصالح الفردية ، وأن تصاغ كل الدراسات في هذه الميادين وفق الصورة الجمعية للموضوع، وأن تعطى الأولوية  للصياغات الأحادية، لأنه لا يمكنك أن تجد النتائج القيّمة دون تراتبية معايير العمل داخل الدولة والمجتمع…
ومن إفادات المقال، هو أن المجتمع المدني يستخدم عادة كمفهوم وصفي لتقييم وخلق التوازن بين سلطة الدولة من جهة، والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى، فالشمولية السياسية القديمة – مثلاً – تساوي الفردية، وهي تقوم على إلغاء المجتمع المدني ، ومن ثم يوصف نمو التجمعات والأندية الخاصة، وجماعات الضغط ، والنقابات العمالية المستقلة في المجتمعات، توصف هذه الظواهر، بالظواهر المضادة، وهي تنشط وتتحرّك داخل المجتمع المدني ولأجله في الوقت نفسه.
وتقضي الرؤية الليبرالية، أن مفهوم المجتمع المدني يتصل بدلالات معيارية وأيديولوجية. بحيث يتسم عمل المجتمع المدني بأنه مجال تطوعي اختياري، ويتمتع أعضاؤه بالحرية الشخصية، وتتحمّل كل المكونات المسؤولية المباشرة عن العمل الفردي تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، وهو يريد العطاء له بما لديه من إمكانيات معرفية ومادية أيضا. أي أن المجتمع المدني يتيح للأفراد المجال في تشكيل مصائرهم الخاصة ومساعدة الآخرين. وكما يقول ألان سوبيو أستاذ القانون في جامعة نانت في كتابه الإنسان القانوني:( ليس الفرد بحاجة الى القانون حتى يتمتع بالحقوق، بل على نقيض ذلك تماما، يكتمل القانون بفعل تكديس الحقوق الفردية وتصادمها، وذلك سواء بالجمع أو بالطرح). ويفسر ذلك، أهمية وجود مجتمع مدني قوى يتسم بالحيوية في صورة تأسيس جمعيات تطوعية ومنتديات وجمعيات خيرية، وتعدّ هذه ملامح أساسية للديمقراطية الليبرالية، والتفضيل الأخلاقي لدى الليبراليين التقليديين للمجتمع المدني، وهو ما يظهر الرغبة في تدعيم عمل الأجهزة التنفيذية في الدولة عن طريق النشاط في المجال الخاص.
معنى ذلك أن مجموعة المنظمات والهيئات المدنية لها أهمية بالغة، وتساهم بقوة في نُــقْــلات المجتمع من الحالة البطيئة والمترددة إلى حالة الفعل الإنساني وتنشيط خلايا العقل والبنى التي تكوّن الشعوب، ويطلب من الفرد والمجتمع حزمة من التعديلات والإصلاحات في طريقة التفكير، فذلك يمكن أن يضمن توازن المواقف، ويؤمّــن البعد عن مصطلح الأنانية ومرادفاته على كل المستويات، وفي كل المجالات، وفي تاريخ المجتمع الإنساني الحديث، فإن الماركسيين والشيوعيين عادة ما ينظرون إلى المجتمع المدني بصورة سلبية، حيث يربطونه بالهيكل الطبقي غير المتكافئ والمظالم الاجتماعية. ومثل هذه النظريات والآراء تبــرّر التخلص من الهيكل القائم للمجتمع المدني كلية، أو تقليص المجتمع المدني من خلال التوسع في قوة الدولة ودورها التنظيمي. ولكن إفادات التاريخ قد أثبت بالتجربة، أن تلك السياسات الماركسية والشيوعية والاستبدادية قد فشلت، وكانت نتائج نظرياتها غير صحيحة.
وأنا في هذا المقال، أريد التأكيد بأن مفهوم المجتمع المدني لا يقتصر على دائرة التطوع الفردي فقط، بمعنى، أن غرضه ليس – فقط –  تحقيق فائدة اجتماعية للناس، أو تكوين اتحادات مع أناس يشتركون في ممارسة رياضة أو هواية مشتركة في أوقات الفراغ، بل إنه يعني منظومة المجتمع بكل تفاعلاته، فنجده يشتمل – مع ذلك – على حرية تأسيس شركات ومؤسسات أهلية للتجارة أو الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو التعليمي أو البيئي أو الصحي أو السياحي…، وتسهيل الإجراءات بخصوصها. فعندما تتزايد أعداد الشركات الأهلية المساهمة، تزداد فرص العمل، وتقل نسبة التكاليف على الدولة في توفير عمل لكل مواطن، ويتيح للحكومة أن تهتم بالتعليم، بداية من المستوى التأسيسي إلى المستوى الجامعي وما بعده، وأن تركّز على التأهيل النوعي الجيد للشباب، ليتمكنوا من المشاركة الفعالة في عملية الإنتاج بجدارة ومسؤولية. كما يمكن للدولة – مثلا – أن تتفرّغ لإنشاء شبكة المواصلات المختلفة، ولتسيير السكك الحديدية، والبريد، فالمجتمع المدني هو تضامن اجتماعي يشمل الجميع، يشمل الترابط بين صاحب العمل والعمال، وتعمل الدولة والجهاز التشريعي فيها على إصدار القوانين التي تحدد علاقة صاحب العمل بالعامل، كما تصدر القوانين الخاصة بالتأمين الصحي… للعمال والموظفين .
إن ما أعنيه بالدولة المدنية، هو التوجه نحو الشعب، هي الدولة التي تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينة أو الفكرية…، فهناك عدة مبادئ ينبغي توافرها في الدولة المدنية، بحيث إن نقص أحدها لا يمكن أن يتحقق لها هذا المعنى المدني، ومن أهمها: أن تقوم على قيم التعاون والتعايش المجتمعي، وأن تقوم على مبدأ  السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، بحيث تضمن حقوق جميع المواطنين، ومن أهمها كذلك، ألا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر، أو طرف آخر. فهناك دوما سلطة عليا هي سلطة الدولة التي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك. فالدولة هي التي تطبق القانون، وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم…بمعنى، هي دولة القانون والمؤسسات. وما أعنيه أيضا، هو العمل على تمتين مدنية المجتمع في النظر والممارسة بقوة ومتابعة، لأن هذا هو ما يحدّد شكل الدولة، وأضيف إلى مبادئ الدولة المدنية، الثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة كذلك، وأزيد عليه، مبدأ المواطنة الواحدة، والذي يعني أن الفرد لا يُعرّف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرّف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن، أي أنه عضو في المجتمع، له حقوق وعليه واجبات. وهو يتساوى فيها مع جميع المواطنين، حيث ان هذه القيم، هي التي تشكل ما يطلق عليه الثقافة المدنية، وهي ثقافة تتأسس على مبدأ الاتفاق ووجود حد أدنى من القواعد يتم اعتبارها خطوطا لا يسمح بتجاوزها.
ومن أهم المبادئ التي توصف بها الدولة المدنية، أنها لا تتأسس على أساس ديني أو عرقي أو جنسي أو قومي…. كما أنها لاتعادي الدين أو ترفضه، فرغم أن الدين – كمشغولة إنسانية – يظل في الدولة المدنية عاملا في بناء الأخلاق وخلق الطاقة للعمل والإنجاز والتقدم. غير أنه لا يجوز استخدام الدين من أجل تحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدد الذي تقوم عليه الدولة المدنية، كما أن هذا الأمر أو العمل، قد يعتبر من أهم العوامل التي تحول الدين إلى موضوع خلافي وجدلي، وإلى تفسيرات قد تبعده عن فضائه، وتدخل به إلى عالم المصالح الشخصية الضيقة. كذلك من أهم مبادئها، مزاولة الديمقراطية التي تعني:أن الحكم للشعب.
ويمكن أن أختم، بمسؤولية الدولة في توفير الحقوق المدنية لجميع المواطنين بموجب القانون، وهي تتميز عن «حقوق الإنسان» أو «الحقوق الطبيعية» بجهة الإصدار والتشريع، حيث ان الحقوق المدنية، هي الحقوق التي منحت من قبل الدولة لكافة أفراد الشعب ضمن الحدود الإقليمية، في حين أن الحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان، هي ما جاء، وما يأتي، أن الأفراد لهم الحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان بالطبيعة بحكم ازديادهم، لكن المدنية – أعني الحقوق – تلتزم الدولة ذات السيادة بحمايتها، بوصفها جانباً من جوانب العقد الاجتماعي، يتلازم بالضرورة مع المكون البشري للدولة.

ديسمبر 29, 2015

إنستغرام

تويتر

  • 19 hours agoكل عام وانتم بخير بمناسبة #العيد_الوطني_٤٨ #جريدة_عمان /t.co/SevzRZJRz0
  • yesterdayالسلطنة تشارك في اجتماع طارئ لبحث تداعيات العدوان الاسرائيلي على #غزة #جريدة_عمان /t.co/Kjc0iojMgx /t.co/Kp0kOMZ0B3
  • yesterdayكلية السُّلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بمنح تستقبل طلبة الدورة 32 #جريدة_عمان… /t.co/JIsXX5T1mK
  • yesterday#جلالة_السلطان يتلقى برقية تهنئة من نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء بمناسبة #العيد_الوطني_٤٨_المجيد… /t.co/aMQY27r2ZE
Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats